قصص الأنبياء ... قصص الأنبياء ... عليهم السلام قصة زكريا و يحيا ... عليهم السلام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد كانت الأنبياء والرسل تتوالى على بني إسرائيل لا يذهب نبي إلا ويخلفه نبي وذلك من رحمة الله بهم لكنهم مع ذلك طغوا وتكبروا وعصوا أمر رسل ربهم فلما طال عليهم الأمد قست قلوبهم واشتد فيهم الفسق والفجور وانتشرت في مجتمعهم المفاسد والمنكرات وتسلط على حكمهم ملوك فسقة جبارون يعيثون في الأرض فسادة ويفعلون الموبقات والجرائم ولا يراعون حرمة لأنبيائهم ولا الصالحين والأتقياء منهم وكان في بيت المقدس رجل صالح اسمه زكريا من ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام أجمعين كان يرع الغنم في صغره ثم لما كبر أصبح نجارا لم يتدنس بالفسق الذي كان عليه قومه بل حرص على التمسك بما بلغه من شريعة الأنبياء قبله مخلصا في عمله وعبادة ربه فبعثه الله تعالى رسولا إلى بن إسرائيل فقام زكريا عليه السلام يدعو قومه إلى دين الله وعبادته وحده دون من سواه ويخوفهم عقابه إنه مستمر في مخالفة أمره لقي زكريا عليه السلام الأذى من بن إسرائيل وحكامهم وتوالت عليه الأهوال العظام والشدائد الثقال فصبر عليه السلام الصبر الجميل حتى وهن العظم منه وضعف واشتعل الشيب في رأسه وكان يحمل هم بن إسرائيل من بعده إذ قد دنا وقت رحيله عن هذه الدنيا وهؤلاء مواليه أشرار فجار لا بد لهم من وازع يردعهم عن غيهم ولو تركوا دون رسول فإنهم سيمحون الشريعة وينشرون الفساد ويغيرون معالم الكتاب ظلت هذه الخواطر تراود تفكير زكريا عليه السلام صباحا ومساءا وفي ذات يوم ذهب إلى معبده الذي كان يتعبد فيه فوجد مريم عليه السلام رابضة في محرابها قانتة بين يدي ربها ورأى بين يديها أمر لم يعتده من قبل حيث رأى عندها فاكهة الصيف والوقت وقت شتاء فاسألها يا مريم من أين لك هذا الطعام قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب عند ذلك أدرك زكريا عليه السلام بإيمانه الراسخ قدرة الله وأنه لا يعجزه شيء أراده فتوجه إلى الله بعقل حاضر وقلب خاشع ولسان صادق فقال ربي هب لي من لدنك وليا يرث مني النبوة ويكون المصلح من بعدي دعى زكريا عليه السلام ربه على الرغم من وجود كل الموانع وتعذر الفرص فالشيخ كبير طاعن في السن والزوجة عجوز وعقيم لكن ثقة الأنبياء بالله وإيمانهم بقدرته لا حد لها أظهر زكريا في دعائه أسمى ألوان الأدب مع خالقه حيث توسل إليه سبحانه بضعف بدنه وبتقدم سنه وبما عوده إياه من إجابة دعواته في الماضي أجاب الله دعوة نبيه زكريا عليه السلام فجاءته الملائكة وهو قائم في محرابه يصلي فبشرته بغلام اسمه يحيا لم يكن هذا الاسم لأحد قبله تولى الله تسميته بهذا الاسم ولا يعلم أن أحدا سماه الله مباشرة غير يحيا عليه السلام وبشرته أيضا بأن هذا الغلام سيكون مصدقا لأمر الله وسيدا شريفا في قومه وحصورا لا يأتي الحرام ونبيا من جملة أنبياء الله الصالحين قال الله تعالى كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنا لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير خساب هناك دعى زكريا ربه قال ربها بلي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيا مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين لما سمع زكريا عليه السلام البشر علته الفرحة لكنه عاد فسأل ربه طلبا للطمأنين فقال ربي كيف يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت أنا من الكبر عتيا وحاشاه أن يكون غافلا عن قدرة الله أو يائسا من رحمته واستجابة دعائه فأجابته الملائكة أليس الله الذي خلقك من قبل ولم تك شيئا بقادر على أن يرزقك الولد وإن ذلك على الله لهي عند ذلك طلب زكريا عليه السلام من ربه آية يعرف بها أن زوجته قد حملت بهذا الغلام الذي بشره به فاستجاب الله له وجعل علامة وجود الحمل أن ينعقد لسانه فلا يكلم الناس ثلاثة أيام بلياليها إلا رمزا من غير علة ولا خرس وأصلح الله تعالى لزكريا عليه السلام زوجته وذلك بأن جعلها تلد بعد أن كانت عقيما فلما حملت بيحيا خرج زكريا عليه السلام على قومه من محرابه فانعقد لسانه ولم يستطع الكلام فأخذ يخاطب الناس إشارة بيده وأوصاهم بأن يسبحوا الله بكرة وعشيا وكان إذا ذكر الله تعالى وكان إذا ذكر الله تعالى انطلق لسانه بمشيئة الله الذي ينطق من يشاء بقدرته قال الله تعالى ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهنى العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيا لم نجعل له من قبل سميا قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل وقد خلقتك من قبل ولم تكن شيئا قال رب جعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ولد يحيا عليه السلام ونشأ في بيت النبوة وتربى على يد والده النبي الزكريا عليه السلام وأمره الله تعالى أن يأخذ الكتاب بقوة أن يتعلم التوراة بجد واجتهاد ويتفهم معانيها على الوجه الصحيح ويطبق ما اجتمنت عليه من أحكام وأداب فإن بركة العلم والقوة تكون في العمل امتثل يحيا عليه السلام أمر الله تعالى فعكف على التوراة يتعلمها ويعمل بأحكامها وهو ما زال صبيا ابن سبع سنين فأعطي الفهم والعبادة ويذكر أن الغلمان قالوا ليحيا تعالى معنا نلعب فقال أللعب خلقنا تعالى ونصلي ومن الصفات التي منحها الله تعالى نبيه يحيا عليه السلام صفة الرحمة حيث جعل في قلبه رحمة يعطف بها على غيره ومنحه أيضا طهارة في النفس أبعدته عن ارتكاب ما نهى الله عنه واجعلته سباقا لفعل الخير فكان مطيعا لله في كل ما أمره به تاركا لكل ما نهاه عنه واجعله كثير البر بوالده والإحسان إليهما وفوق ذلك لم يكن مستكبرا متعاليا مغرورا ولم يكن صاحب معصية ومخالفة لأمر ربه ثم كتب الله له الأمن والأمان في ثلاث مواطن يوم ولادته ويوم وفاته ويوم بعثه قال سفيان بن عيين أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم من قبل ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم فأكرم الله فيها يحيا فخصه بالسلام عليه في هذه الأحوال الثلاث قال الله تعالى يا يحيا خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكاه وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا يروى أن يحيا وعيس عليهما السلام التقى يا يوم فقال عيسى ليحيا استغفر لي يا يحيا أنت خير مني فقال يحيا بل أنت استغفر لي يا عيسى فأنت خير مني قال عيسى بل أنت خير مني سلمت على نفسي وسلم الله عليك أما عن شأن زكريا عليه السلام فإنه لما أكثر النصح في قومه ونهاهم عما يشتهون من المحرمات تضايقوا منه فعزموا على قتله فلما أحس بذلك هرب منهم باتجاه الغابة فمر بشجرة ونادته بأمر الله وقالت إلي يا يا نبي الله فانفلقت له فدخل فيها فالتآمت عليه فأخذ الشيطان بطرف ثوبه فرأى بنو إسرائيل ثوبه فوضعوا المنشار على الشجرة فنشروها حتى قطعوه من وسطه وهو في جوفها ثم تولى الأمر من بعده ابنه يحيا عليه السلام فأخذ يدعو قومه ويعظهم وكان يحكم بين الناس ويبين لهم أسرار الدين ويعرفهم طريق الصواب ويحذرهم من طريق الخطأ كان يدعو الناس إلى التوبة من الذنوب وكان يدعو الله لهم ولم يكن هناك إنسان يكره يحيا أو يتمنى له الضرر كان محبوبا لحنانه وزكاته وتقواه وعلمه وفضله وكان يحيا عليه السلام إذا وقف بين الناس ليدعوهم إلى الله أثر فيهم حتى يبكيهم بصدق كلماته جمع يحيا عليه السلام بني إسرائيل في بيت المقدس ذات يوم حتى امتلأ المسجد وقعدوا على الشرفات فقال إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن أولهم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق فقال له هذه داري وهذا عملي فعمل وأد إلي فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده فأيكم يرضى أن يكون عبدو الله كذلك وإن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك فكلهم يعجب أو يعجبه ريحها وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال أنا أفدي نفسي منكم بالقليل والكثير ففدا نفسه منهم وأمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعة حتى إذا أتى على حصن حصين أحرز نفسه منهم فكذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله كان الملك في عهد يحيا عليه السلام يريد الزواج من ابنة أخيه حيث أعجبه جمالها وهي أيضا طمعت فيه وفي الملك وشجعتها أمها على ذلك وكانوا يعلمون أن هذا حرام في دينهم فأراد الملك أن يأخذ الإذن من يحيا عليه السلام فذهبوا يستفتونه ويغرونه بالأموال ليستثني الملك فنهاه يحيا عليه السلام عن ذلك وحذر الملك من الزواج بمحارمه فغضب منه الملك وكانت ابنة أخيه بغيا فاجرة وكانت لا تزال طامعة فيه وفي الملك وفي إحدى الليال جاءت إلى الملك وأخذت تغني وترقص أمامه فلما كان بينها وبين الملك ما يحب منها طلبت منه دم يحيا فوهبه لها وبعث جنوده إليه فوجدوا يحيا عليه السلام قائما يصلي في محرابه فقتلوه وجاؤوا برأسه في قست إليها عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من أحد من ولد آدم إلا قد أخطأ أو هم بخطيئه ليس يحيا ابن زكريا وروا عمر بن العاصر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا يحيا ابن زكريا أيها الإخوة الكرام لقد ورد ذكر اسم نبي الله زكريا عليه السلام في القرآن سبع مرات وورد ذكر اسم يحيا عليه السلام في القرآن خمس مرات ومن أهم الدروس والعبار المستفادة من قصتيهما أولا قررت قصة زكريا عليه السلام قضية عامة مفادها أن الله تعالى يفعل ما يشاء أن يفعله دون تقيد بالأسباب والمسببات والعادات وهو الفعال لما يريد فقدرته سبحانه لا يعجزها شيء ثانيا الذي رزق مريم بالطعام في غير أوانه هو الذي رزق زكريا عليه السلام بالولد في غير أوانه وهذه هي قدرة الله سبحانه الذي يقول للشيء كن فيكون فليكن العبد على ثقة بالله ولا ييأس من رحمته ثالثا الحض على الإكثار من ذكر الله ومن تسبيحه وتمجيده لأنه بذكر الله تطمئن القلوب وتسكن النفوس وتغسل الخطايا والذنوب وهذه وصية الله تعالى لزكريا عليه السلام رابعا العقلاء من الناس يلجأون إلى خارقهم عز وجل لكي يرزقهم الذرية الصالحة والأولاد الراشدين الذين يخلصون عبادتهم لله ويبذلون أموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الحق ونشر الفضائل ونبذ الرذائل خامسا أن الدعاء متى صدر من قلب سليم ولسان صادق كان مرجو القبول وجديرا بالإجابة سادسا إخفاء الدعاء من الآداب المرعية فقد مدح الله زكريا عليه السلام بقوله إذ نادى ربه نداءا خفيا وكان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت ما كانت دعواتهم إلا همسا بينهم وبين ربهم سابعا من أسباب إجابة الدعاء ما ذكره الله تعالى في قصة زكريا عليه السلام وزكريا إذ نادى ربه رب لا يستطيع لا تذرني فردا رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيا وأصلحنا له زوجة إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ثامنا قال القرطبي دل دعاء زكريا عليه السلام رب هبلي من لدنك ذرية طيبة على طلب الولد وهي سنة المرسلين والصديقين وقد ترجم البخاري على هذا باب طلب الولد وقال صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة حينما تبنه أعرستم الليلة قال نعم قال بارك الله لكما في غابر ليلتكما فحملت امرأته والأخبار في هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد وتندب إليه لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته تاسعا على المؤمن أن يأخذ الأمور بجدية ومسؤولية وهذا من صفات عباد الله المؤمنين وهذا مستفاد من قوله تعالى يا يحيا خذ الكتاب بقوة عاشرا أن الرحمة بالعباد وتطهير النفس بحملها على الفضائل والخيرات وكبح جماحها عن الشهوات والموبقات وتقوى الله والإحسان إلى الوالدين وهجران المعاصي من الصفات الفاضلة التي ينبغي أن يتحلى بها العبد المؤمن ويحرص عليها أشد الحرص ويعمل على كسبها وجعلها سلوكا ممارسا في حياته اليومية للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين كنتم مع قصص الأنبياء وصل الله وصحبه