خلاصة مفاهيم أهل السنة تعريف الشرك الشرك هو عبادة غير الله ولو مع عبادة الله تعالى ولهذا فهو أخص من الكفر الذي غالبا ما يطلق على الجحود كمن يجحد وجود الله تعالى أو يجحد أي أمر من عند الله أو أي حق من حقوقه سبحانه فالشرك أخص من الكفر والكفر أعم منه فكل شرك كفر وليس كل كفر شركا ومن الشرك بل هو أعلاه وأعظمه إدعاء أحد المخلوقين الألوهية أو الربوبية من دون الله وزعمه للتصاف أو الاختصاص بحق من حقوق الله تعالى كالنمرودي حين قال أنا أحيي وأميت فأفحمه نبي الله إبراهيم عليه السلام بما لا يقدر عليه فقال فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتي بها من المغرب فبهت الذي كفر وكفرعون حيث قال يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا همان على الطين فاجعل لي صرحا لعل لي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين وقال ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيلا رشاد وقال أنا ربكم الأعلى فنسب إلى نفسه الألوهية والربوبية فكان من أشد المشركين بالله تعالى وربما ادعى البعض الربوبية بلسان الحال دون المقال كما يدعي بابوات النصارة أنهم يملكون حق التحليل والتحريم وحق منح صكوك الغفران ودخول الجنان وكمن يشرع اليوم في الحكومات الطاغوتية ما لم يأذن به الله فيحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل الله سواء كان هذا المشرع فردا أو مجلسا تشريعيا أو دستورا إلى آخر ذلك الشرك يكون في أركان العبادة الأساسية الشرك يكون في الأركان الأساسية للعبادة بمفهومها الشامل التقرب والتوجه والتنسك والطاعة والاتباع والتشريع المحبة والولاء والنصرة فمن شرك التقرب والتنسك ما فعله قوم نوح عليه السلام من عبادة التماثير التي صنعت للصالحين منهم بعد وفاتهم قال تعالى عنهم وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وفي صحيح البخاري أن هذه في الأصل أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوح الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا تماثيل وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولائك وتنسخ العلم عبدت رواه البخاري وقد ظلت عبادة هذه الأصنام وانتقلت إلى العرب قبل الإسلام وكان لكل قبيلة صنم من هذه الأصنام يعبدونه من دون الله وأضاف إليها عمر بن لحين الخزاعي أصناما أخرى كاللات والعزة ومنات وهبل ولا يزال هذا الشرك قائما في عصرنا الحديث فيعبد البوذيون تمثال بوذا ويتقربون إليه وللهندوس والسيخ آلهة متعددة والصوفية غارقة في هذا اللون من شرك العبادة للعديد من الأولياء والصالحين والطواف حول قبورهم والذبح لهم وغير هؤلاء من الأمم الضالة كثير أما شرك الطاعة والاتباع والتشريع فوقعت فيه البشرية من قديم الزمان أيضا ففي الحديث القدسي وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا رواه مسلم ووقع في هذا الشرك أيضا أهل الكتاب باتباعهم لأحبارهم في التحليل والتحريم كما قال تعالى عنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عن ما يشركون وقد تعجب عدي ابن حاتم رضي الله عنه من الآية وكان نصرانيا قبل إسلامه وقال يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم فقال صلى الله عليه وسلم أجل ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه فتلك عبادتهم لهم رواه الترمذي وحسنه الألباني ووقع فيه العرب أيضا قبل الإسلام كما ذكر عنهم في سورة المائدة من اتخاذهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي قال تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون وكما جادلوا المسلمين في حكم أكل الميتة بقولهم ما ذبح الله فلا تأكلوه وما ذبحتم أنتم أكلتموه رواه النسائي وأبو داوود وصححه الألباني وشعيب الأرنأوط وذلك قول الله تعالى وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون حيث أوعزت فارس إلى قريش أن يجادل الرسول صلى الله عليه وسلم في حكم أكل الميتة فذكرت الآية أن طاعة كفار قريش في ذلك شرك وفي واقعنا المعاصر يقع كثير من الناس في شرك الطاعة والاتباع من خلال اتحاكم إلى غير شرع الله عن علم واختيار وينطبق عليهم قوله تعالى ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضل لهم ضلالا بعيدا والحضارة الغربية تتخذ الهوى البشرية إلها تعبده من دون الله وتتبعه باسم الحرية أو حقوق الإنسان إلى آخر ذلك أما شرك المحبة والولاء والنصرة فهو ما نراه اليوم من حمية الجاهلية لروابط أرضية يعقد على أساسها الحب والولاء والبراء كالحمية للوطن أو القوم أو الجنس وقد قال تعالى قل أغير الله أتخذ وليا الشرك ينافي تعظيم الله عز وجل يتلاعب الشيطان بالمشركين فيصور لهم شركهم بالله أنه تعظيم له سبحانه وطلب للقرب منه لأن الله بزعمهم أعظم من أن يتجهوا إليه مباشرة بالعبادة والدعاء فيوسطون بينهم وبينه الوسطى ليقربوهم منه سبحانه كما قال تعالى عنهم ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عن ما يشركون فسمى الله عز وجل فعلهم شركا وقال تعالى ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار فأكذبهم الله ووصمهم بالكفر فمن اعتمد في باب التعظيم على هواه بغير هدى من الله زل وضل ضلالا بعيدا وقد أمرنا الله عز وجل بالتقرب إليه مباشرة دون وسطى فقال تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون فالشرك يحبط العمل وينافي تعظيم الله تعالى ويدل على عدم تقدير الله حق قدره قال الله تعالى ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لإن أشركت ليحبطن عملك ولتكون من الخاسرين بل الله فعبد وكم من الشاكرين وما قدر الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون الشرك أعظم الظلم قال الله تعالى إن الشرك لظلم عظيم وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك متفق عليه والشرك أعظم الظلم لأنه وضع للعبادة في غير ما وضعت له وصرف لها أو لشيء منها عن الله عز وجل الخالق المدبر رب العالمين ورازقهم المستحق وحده لجميع العبادات إلى مخلوق ضعيف لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فمضمون الشرك هو تنقيص رب العالمين سبحانه وصرف خالص حقه لغيره وعدل غيره به كما قال تعالى الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض واجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون فهو مناقض للمقصود بالخلق والأمر منافل له من كل وجه وذلك غاية المعاندة لرب العالمين والاستكبار عن طاعته وعن الانقياد لأوامره التي لا صلاح للعالم إلا بها فتنة الشرك وضرره لما كان الشرك بالله أعظم الظلم ترتب عليه الآتي أولا احباط العمل قال تعالى ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لإن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين وقال تعالى وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ثانيا منع مغفرته إلا بالتوبة قال تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ثالثا إيجاب الخلود في النار قال تعالى عن المشركين المتخذين أندادا يحبونهم كحب الله وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار التوسل الوسيلة المأمور بها في قول الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون هي ما يقرب إلى الله تعالى من الطاعات المشروعة والتوسل ثلاثة أنواع أولا توسل مشروع وهو التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أو بعمل صالح من المتوسل أو بدعاء الحي الصالح كما طلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه من العباس رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله للمسلمين بنزور الغيث والذي يدل على أنه توسل بدعاء الحي لا بذات الشخص ويفيد أن عمر رضي الله عنه ذكر أنهم كانوا يتوسلون إلى الله لنزور الغيث في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بدعائه وصلاته للاستسقاب فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم لم يتوسل عمر رضي الله عنه بذاته صلى الله عليه وسلم وإنما لجأ إلى عمه العباس ليدعو لهم ثانيا توسل بدعي وهو التوسل إلى الله عز وجل بما لم يرد في الشرع كالتوسل بذوات الأنبياء والصالحين أو جاههم وكرامتهم ونحو ذلك ثالثا توسل شركي وهو اتخاذ الأموات والأندادي وسائط في العبادة ودعاؤهم وطلب الحوائج منهم والاستعانة بهم والذبح والنذر لهم ونحو ذلك الطاغوت الطاغوت مشتق من الطغيان الذي هو مجاوزة الحد تقول طغ الماء أي فاضى وتجاوز الحد وطغ البحر أي هاجة أمواجه وطغ فلان أي أسرف وتجاوز الحد في العصيان أو الظلم والتجبر أو الكفر والطاغوت في استلاح الشرع هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله وقد ورد لفظ الطاغوت في القرآن الكريم في ثمان آيات كلها تفيد ما ذكر من معنى الطاغوت وتعريفه ومن ذلك قول الله تعالى لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لنفصام لها والله سميع عليم وقوله تعالى ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضل لهم ضلالا بعيدا وأفادت هذه الآية أنما يتحاكم إليه مما يخالف شرع الله من دساتير وقوانين وضعية هي من الطواغيت والطاغوت قد يكون بشراء مثل فرعون وكل من يعبد من دون الله وهو راض بذلك وقد يكون قبرا أو صنما وتمثالا يعبد من دون الله وقد يكون شيئا معنوي مثل فلسفة اليونان القديمة أو الدساتير والأحكام المتبعة من دون الله كالياسق الذي وضعه جنكيز خان والقوانين الوضعية المعاصرة المخالفة لشرع الله ويندرج تحت ذلك أيضا الشعارات المعاصرة التي يوالى ويعاد عليها من دون الله تعالى كالوطنية والقومية والنسوية والديمقراطية وحكم الشعب والقوانين الدولية إلى آخر ذلك والشيطان رأس الطواغيت فغايته غواية بني آدم كما أقسم لعنه الله على ذلك قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين وقد حذرنا الله تعالى من طاعته وسما ذلك عبادة للشيطان قال تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبد الشيطان إنه لكم عدو مبين الشرك الأصغر الشرك الأصغر هو ما جاء في النصوص الشرعية تسميته شركا ولكنه لم يصل إلى حد الشرك الأكبر المخرج من الملة ومن أمثلته التطير والحلف بغير الله قال النبي صلى الله عليه وسلم من حلف بغير الله تعالى فقد أشرك رواه أحمد وأبو داوود وغيرهما وصححه الألباني ومن الشرك الأصغر أيضا قول لولا الله وفلان لحدث كذا وكذا وقول ما شاء الله وشئت فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له ذلك جعلتني لله عدلا بل ما شاء الله وحده رواه أحمد وحسنه الأرناوط وفي رواية أخرى أجعلتني لله ندا بدلا من عدلا أخرجها البخاري في الأدب المفرد وصححها الألباني ومن الشرك الأصغر أيضا الرياء فقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وحذرنا منه قال صلى الله عليه وسلم إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا يا رسول الله وما الشرك الأصغر قال الرياء الحديث رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان والبغوي في شرح السنة وحسنه الأرناوط كما سماه صلى الله عليه وسلم أيضا الشرك الخفي أخرجه أحمد وابن ماجة وحسنه الألباني ويسمى الرياء شركا خفي لأن المرأة يقع فيه دون أن يدري فهو أخفى من دبيب نملة السوداء في الليلة الظلماء وهو من أمراض القلوب الخطيرة المحبطة للعمل لأنه من إرادة الدنيا بعمل الآخرة وقد ورد في الحديث أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة أحدهم قارئ للقرآن والثاني مقاتل والثالث منفق جواد وادعوا فعل ذلك في سبيل الله فأكذبهم الله وذكر أنهم فعلوا ذلك ليقال قارئ وشجاع وجواد فكانوا أول من تسعر بهم النار وينبغي أن لا يستهان بمثل هذه المعاصي لوصفها بالشرك الأصغر فإنما سميت كذلك مقارنة بالشرك الأكبر المخرج من الملة وإلا فهي من كبائر الذنوب المحبطة للعمل خطأوا دعوى زوال الشرك واستقرار العقيدة يتوهم البعض أن بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن قد زال بهم الشرك واستقر التوحيد فلا داعي إذن للبدء في الدعوة بالعقيدة ما دامت موجودة ومستقرة وجواب ذلك أن الذي زال ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن هو اطباق الجاهلية على أرجاء المعمورة في الزمان والمكان فلن تزال العقيدة الصحيحة في نواح من الأرض وإن غابت عن نواح أخرى وهذا لا ينافي ظهور الشرك وانتشاره في أماكن عديدة من الأرض بل حتى في بعض ديار المسلمين حيث يظهر فيها في مجالات عديدة مثل انتشار الطواف حول القبور والاستغاثة بالأولياء وطلب شفاعتهم والذبح والنذر لهم ومثل اعتقاد عصمة الأولياء والمشايخ وعلمهم الغيب وقضائهم للحوائج ومثل ذهاب الناس إلى الكهنة والسحرة وأهل الشعوذة سعيا لمعرفة الغيب وفك السحر واستعانة بهم بعد الاستجابة لمطالبهم الشركية الشيطانية ومثل تنحية شرع الله عن الحكم في جل بلاد المسلمين وتحاكم الناس بدلا من ذلك إلى الطاغوت الظالم الجاهل وعلو نجم الفكر العلماني التحرري المزعوم ومثل قيام ولا آتي أكثر الناس اليوم على غير العقيدة من جنس أو وطن أو قوم إلى آخر ذلك بل انعقد الولاء لأعداء الله من اليهود والنصاراء وغيرهم من أهل الشرك والإلحاد والقرآن نفسه يقرر حقيقة بقاء الشرك وانتشاره بين عموم الناس رغم ظهور الحق وكثرة أهله فقد قال الله تعالى وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وقال تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون وقال تعالى وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله فهل بعد هذا كله مجال لقول من يقول إن عقيدة الأمة بخير وإن الحديث حول مسائل العقيدة أمر مبالغ فيه الاهتمام بالآثار بين الاتعاض والشرك تولي الدول اليوم آثار الأمم السابقة وعناية فائقة فتعظمها وتحييها وتجعلها مجالا للسياحة والزيارة وتخصص لها المتاحف وتصنف هيئة اليونسك التابعة للأمم المتحدة كثيرا من آثار الأمم ومناطقها على أنها من التراث العالمي الذي تحميه ما تسمى بالقوانين الدولية فما هو الموقف الصحيح من هذه الآثار ليعلم أولا أن الله تعالى إنما قص علينا أخبار من سبق من الأمم وأبقى آثار بعضهم لنعتبر بذلك فلا نعص الله ولا نكذب الرسل كما فعلت هذه الأمم قال تعالى وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعضهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين وقال تعالى عن قوم صالح لما مكروا عقر الناقة فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أننا دنرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وقال تعالى لفرعون عند هلاكه فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون أما أن تتخذ هذه البيوت والمساكن والآثار مزارا وسياحة للترفيه فتلك سمة الغافلين ومن لا يأخذون العبرة من الأحداث فقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صحابته على مدائن صالح في غزوة تبوك فقال لهم لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم متفق عليه وفي رواية للبخاري في آخر الحديث ثم قنع رأسه واسرع السيرى حتى أجاز الوادي وأما ما يكون من هذه الآثار ذريعة للشرك ككثير من الأصنام الباقية والمشاهد والقبور المشرفة والأضرحة والمزارات فإن الوادي تتخذ كلها حاليا وسيلة للشرك بالله تعالى فالواجب هو عدم الاحتفاء بها بل إزالتها وتحطيمها سدا لذريعة الشرك ولنقتدي في ذلك بنبي الله إبراهيم عليه السلام الذي جعله الله أمة وأمرنا بالاقتداء به قال تعالى إن إبراهيم كان أمة طانت لله حنيفا حنيفا ولم يكن من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ثم قال بعدها ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين وإبراهيم عليه السلام لما رأى قومه يعبدون الأصنام حطمها فجعلهم جذاذا أي قطعا صغيرة وتسوية القبور وتحطيم الأصنام هو ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأبي الهياج الأسدي ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تدع تمثالا إلا طمست ولا قبر مشرفا إلا سويته رواه مسلم وأبو داود وأحمد وغيرهم فالواجب على دعاة الإسلام أن ينكر الاحتفاء والأثار وينبه المسلمين إلى خطورة ذلك وإن اعترض من اعترض وإن هاج وماج ما يسمى بالمجتمع الدولي رفضا لذلك فلا سكوت أو تسامح ولو يسير في أمور الشرك وقد حدث مثل ذلك في أول هذا القرن الميلادي حين حكمت حركة طاربان أفغانستان أول مرة ففجرت وقتها الأصنام ضخمة المنحوتة في الجبال فقامت الدنيا عليهم ولم تقعد وأنكرت الأمم المتحدة ذلك بشدة فلما ذهب وفد من علماء المسلمين هناك لتقص الأمور وبصرتهم حركة طاربان بأن هذه الأصنام تعبد حقيقة من دون الله من عوام من الناس وتطلب الحوائج منها وتعلق التمائم على الأشجار فعندها لم ينكر عليهم العلماء وأيدوا فعلهم وإنما ننكر الاحتفاء بالأصنام لكونها ذريعة للشرك كما أسلفنا ولأسباب أخرى مثل أولا أن العبادة ليست محصورة في الركوع والسجود والدعاء فتعظيم ما حقه التحقير هو نوع من العبادة وهل وضع الأصنام لا تتاحف إلا احتفاء بها وتعظيم لها ثانيا ولو سلمنا أن هذه التماثيل تراث إنساني فليس كل تراث يحترم ويعظم فلم يعبد الكفار أصنامهم إلا لأنها تراث خلفها الأباء والأجداد فعظموها وعبدوها ثالثا في تعظيم وسائل الشرك وآثار الأمم الهالكة تشجيع لزيارتها والسياحة إليها وقد نهينا عن دخول أماكن المعذبين وأمرنا إن اضطرنا لدخولها أن نجتازها باكينا مسرعين خشية أن يصيبنا ما أصابهم كما أسلفنا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم رابعا وأخيرا نقول لمن يتمسك بتعظيم هذا التراث وذلك عمل حضاري أأنتم أعلموا أم رسولنا صلى الله عليه وسلم حين بعت علي رضي الله عنه بتحطيم كل ذلك فإن أبل متخاذلون ذلك وسموا عدم الاحتفاء بهذه الآثار تخلف حضاريا وفكرا جامدا وأصروا على تقليد الغرب في ذلك نحيلهم على ما فعلته النمس حين هدمت بيت هتلر في يوليو 2016 للميلاد وعللت ذلك بأن اليمين المتطرف اتخذه مزارا ملهما لأفكارهم فهل النمسة وهابية أو إرهابية وكذلك هدم الإيطاليون منزل موسليني وأدل التطرف اليميني ومظاهره أفلا يكون المسلمون أولى بالتمسك بشرائع دينهم أعي الشرك وامتثال أمر نبيهم اللهم هدي أمة الإسلام وأزل عنها ما وقعت فيه من غربة بلغت بها حد أن يفتخر البعض بانتسابه لجاهلية قومه الأولين كما يفعله بعض المصريين من تسمية أنفسهم بالفراعنة ويفتخرون بحضارتهم رغم أن فرعون هو من أعظم طواغية العالم وكما بعض الفلسطينيين بالانتساب إلى العماليق بقى يا عاد ويقول نحن شعب الجبارين قاصدا بذلك من قال عنهم بنو إسرائيل لموسى عليه السلام حين أمروا بدخول بيت المقدس قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون