خلاصة مفاهيم أهل السنة تعريف الإيمان الإيمان عند أهل السنة والجماعة اعتقاد وقول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فالاعتقاد هو تصديق القلب وإقراره ويقال له أيضا قول القلب والقول هو قول اللسان للشهادتين والنطق بهما والعمل هو عمل القلب وهو انقياد القلب وقبوله وتسليمه وعمل الجوارح بالطاعات جنس العمل والإيمان عند الجهمية هو المعرفة وعند الأشعرية هو التصديق والإيمان عند الكرامية هو النطق باللسان وإن انتفى التصديق والقبول والإيمان عند المرجئة هو التصديق وقول اللسان والإيمان عند الخوارج هو كل الأقوال والأعمال المشروعة من فعل واجب أو ترك محرم ولو ترك المرء واجبا واحدا أو فعل محرما واحدا كفر ويتفق الخوارج والمرجئة في زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ومرجئة الفقهاء يثبتون أعمال القلوب ويقرون بأهميتها ولكنهم يجعلونها شيئا آخر سوى الإيمان كما يخرجون أيضا أعمال الجوارح عن مسمى الإيمان ولكنهم إذا سئلوا عن علاقة كل من أعمال القلوب وأعمال الجوارح بالإيمان قالوا هي من لوازمه وثمراته دخول الأعمال في الإيمان عند أهل السنة جنس العمل ركن من أركان الإيمان عند أهل السنة فإذا ذهب أي فقد عمل جميع الطاعات ذهب أصل الإيمان قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن فقد جنس العمل مطلقا فيمتنع أن يكون الرجل لا يفعل شيئا مما أمر به من الصلاة والزكاة والصيام والحج ويفعل ما يقدر عليه من المحرمات وهو مع ذلك مؤمن في الباطن لا يفعل ذلك إلا لعدم الإيمان في قلبه أما إذا تخلفت بعض الأعمال كترك بعض الواجبات أو فعل بعض المحرمات فإن أصل الإيمان باق ولكن نقص الإيمان الواجب إلا أن يكون العمل المترك منصوصا عليه في الشرع أن تركه كفر كترك الصلاة ترك النهائيا ولو كانتك سلا وكالحكم بغير ما أنزل الله ورفض شرع الله ولأن المرجعة لا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان فإنهم لا يرون تارك جنس العمل كافرا بل يكفي منه التصديق ليكون مؤمنا والخوارج يرون كما يرى أهل السنة أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان ولكنهم يختلفون عنهم لأنهم يعتبرون فعل أي محرم أو ترك أي واجب كفر يوجب الخلود في النار إذا لم يتب منه صاحبه ولو فعل باق الواجبات وترك سائر المحرمات عكس أهل السنة الذين لا ينفون عن مرتكب الكبيرة أصل الإيمان ما لم يستحل لها ويقولون هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ناقص الإيمان وقد جاء في حديث جبريل أن أركان الإيمان هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره إنحراف معاصر في فهم الإيمان نحن نعيش اليوم حالة مزرية فريدة في تاريخ الإسلام إن لم يكن في تاريخ البشرية كلها حيث يؤمن كثير من الناس بوحدانية الله لا شريك له ثم لا ينفذون شريعته في واقع الحياة ولا يرون حرجا في ذلك بل قد يرى بعضهم أن المصلحة اليوم هي في تنحية شريعة الله عن واقع البشرية واتخاذ تشريعات من وضع البشر بدلا عنها ويزعمون مع ذلك أنهم مسلمون يحبون الإسلام وأهله ومثل هذا لم يقع من قبل في تاريخ البشرية جمعا ذلك أن البشرية في تاريخها كلها كانت لا تخرج عن إحدى حالتين إما مؤمنة بالله الواحد الأحد منفذة لشريعته على وجه الإجمال وأما مشركة في الاعتقاد تؤمن بوجود آلهة ومشرعين آخرين وتنفذ شرائعهم من دون الله أما أن نؤمن بالله الواحد ثم ننفذ شريعة غيره فهذا ضرب من الخبل لم يحدث من قبل في جاهلية ولا إسلام قال في القاموس أسلم إن قاد وصار مسلما ويقول ابن تيمية شارحا معنى الإسلام لفظ الإسلام يستعمل على وجهين الأول متعديا كقوله سبحانه ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن والثاني لازما كقوله تعالى إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين وكقوله سبحانه وله أسلم من في السماوات والأرض وهو يجمع معنيين أحدهما الإنقياد والاستسلام والثاني إخلاص ذلك وإفراده وعنوانه قول لا إله إلا الله وله معنيان أحدهما الدين المشترك وهو عبادة الله وحده لا شريك له الذي بعث به جميع الأنبياء والثاني مخطص به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين والشرعة والمنهاج وهو الشريعة والطريقة والحقيقة وأركان الإسلام خمسة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وإيقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا فهم خاطئ للإسلام يظن بعض الناس إما عن جهل بحقيقة الإسلام أو عن هوى ومغالطة أن الموحدة من أي ملة نظت هو مسلم مؤمن لو بقي على ملته بعد بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويستدلون على رأيهم بقوله تعالى إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهذا فهم منحرف لأن الآية نزلت في من مات على التوحيد من نصارى أو يهود أو صابئة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أما بعد بعثته صلى الله عليه وسلم فلا بد لكل أحد أن يؤمن به ويتبعه ولا يكفيه أن يكون موحدا مع بقائه على دينه وعدم اتباعه صلى الله عليه وسلم لأن الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد بعثته هو كفر بموسى وعيسى عليهما السلام فقد قال تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنوا النبيه ولتنصرونه قال أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين وقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلته به إلا كان من أصحاب النار رواه مسلم معنى كل من الإيمان والإسلام حال الاجتماع وحال الافتراق يندرج مفهوم الإيمان والإسلام تحت القاعدة المشهورة إذا اجتمع افترق وإذا افترق اجتمع أي أن لفظ الإيمان إذا اقترن مع لفظ الإسلام في آية واحدة أو حديث واحد فإنهما يفترقان في المعنى فيعبر لفظ الإيمان عن الإيمان الباطن من التصديق والإذعان والقبول والاعتقادات القلبية ويعبر الإسلام عن الإيمان الظاهر على الجوارح والأركان أما إذا افترقا في الذكر فجاء مثلا لفظ الإيمان في آية دون اقترانه بالإسلام أو العكس فإنهما حينئذ يكونان بمعنى واحد هو الإيمان والاستسلام ظاهرا وباطنا مثال الاقتران في الذكر قول الله تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وقوله تعالى إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ومثال الافتراق قول الله تعالى عن الإيمان إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون وقوله تعالى عن الإسلام إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين قيمة الإيمان في الحياة وثمراته أولا أهم قيمة للإيمان أنه معرفة للحقيقة الأولى وجود الله تعالى تلك المعرفة التي لا تصح في النفس البشرية معرفة لوجود أي شيء آخر إلا من خلالها فيدرك أن الوجود من صنع الله ومن ثم يتعامل الإنسان مع الكون وهو يعرف طبيعته كما يعرف قوانينه التي تحكمه وينسق حركته مع حركة هذا الوجود الكبير وفق هذا الفهم ولا ينحرف عن نواميسه الكلية فيسعد بهذا التناسق ويمضي مع الكون كله إلى بارئ الوجود في طاعة واستسلام وسلام عبدا لله موحدا له لا شريك له وتلك صفة لازمة لكل إنسان ولكنها ألزم ما تكون للجماعة التي تقود البشرية إلى بارئ الوجود ثانيا وقيمة الإيمان كذلك في تحقيقه للطمأنينة النفسية والثقة بالطريق وعدم الحيرة أو التردد أو الخوف أو اليأس وهذه صفات لازمة لكل إنسان في رحلته على الأرم ولكنها ألزم ما تكون للقائد الذي يرتاد الطريق ويقود البشرية في هذا الطريق ثالثا وقيمة الإيمان في التجرد من الهوى والمصالح والأغراض والمغانم الشخصية إذ يصبح القلب متعلقا بهدف أبعد من ذاته ويحس أنه ليس له من الأمر شيء إنما هي دعوة الله وهو فيها أجير عند الله وهذا الشعور ألزم ما يكون لمن توكل إليه مهمة القيادة لكي لا يقنط إذا أعرض عنه القطيع الشارد أو أوذي في سبيل الدعوة ولا يغتر إذا ما استجابت له الجماهير أو دانت له الرقاب فإنما هو أجير رابعا والإيمان بالله دليل على حيوية الفطرة وسلامة أجهزة الاستقبال فيها وعلى صدق الإدراك الإنساني وحيوية البنية البشرية وعلى رحابة في مجال الإحساس بحقائق الوجود وهذه كلها من مؤهلات النجاح في الحياة الواقعية خامسا والإيمان بالله قوة دافعة دافقة تجمع جوانب الكينونة البشرية كلها وتتجه بها إلى وجهة واحدة وتطلقها لتستمد قوتها من قوة الله ولتعمل في تحقيق مشيئته عز وجل في خلافة الأرض وعمارتها ودفع الفساد والفتنة عنها وفي ترقية الحياة ونمائها مع إدراك حقيقة فنائها وبقاء الآخرة فتجعل عملها في الدنيا رغبة في الآخرة وهذه كذلك من مؤهلات النجاح في الحياة الواقعية سادسا والإيمان بالله تحرر من العبودية للهوى ومن العبودية للعبيد وما من شك أن الإنسان المتحرر بالعبودية لله أقدر على الخلافة في الأرض خلافة راشدة صالحة سابعا والإيمان هو أس الفضائل ولجام الرذائل وقوام الضمائر وسند العزائم في الشدائد وبلسم الصبر عند المصائب وعماد الرضا والقناعة بالحظوظ ونور الأمل في الصدور وسكن النفوس وطمأنينتها إذا أوحشتها الحياة وعزاء القلوب إذا نزل بها الموت أو اقتربت أيامه والعروة الوثقى بين الإنسانية ومثلها الكريمة ثامنا وبفقد الإيمان نكون أسوأ حظا في الحياة وأدنى رتبة في سلم المخلوقات من أذل البهائم وأحقر الحشرات وأشرس الضوار فالبهائم تجوع كما نجوع ولكنها في نجوة من هم الرزق وخوف الفقر وذل السؤال وهي تلد كما نلد وتفقد أولادها كما نفقد ولكنها في راحة من هلع الثكلا وخوف اليتيمة وهي تتألم في أجسادها كما نتألم ولكنها في راحة مما يأكل القلوب ويقطع الأرحام ويفرق الشمل كالحسد والكذب والنميمة وهي تمرض كما نمرض وتموت كما نموت ولكنها في راحة من التفكر في عاقبة الموت فإن لم يكن لنا إيمان يسلينا ويرضينا ويعزينا كنا أشقى وأضلى من الحيوانات العجماوات وصدق الله العظيم إذ يقول في وصف الكافرين أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إنهم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا الإيمان بالغيب يضبط العلاقة بين العقل والنقل الإيمان بالغيب هو ساق شجرة الإيمان التي لا تقوم إلا عليه فالإيمان بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر أصله كله الإيمان بالغيب والتسليم لما جاء في القرآن والسنة الصحيحة من الأخبار عن هذه الأصول الستة واليقين بأن للعقل حدوده في الإدراك وعلي فالعقل تابع للنقل ودوره أن يعقل عن الله ورسوله ويتدبر نصوص الوحيين ويتعبد لله عز وجل بالإيمان بها وبآثارها والعقل الصحيح لا يتعارض مع النقل الصريح وإن ظهر شيء من التعارض فسببه إما فساد في العقل والتصور أو أن النقل غير صحيح أو غير صريح وقد وصف الله عز وجل عباده المتقين بقوله الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون وهذا هو شأن السلف رحمهم الله حيث يقدمون النقل على العقل وينتفعون من نعمة العقل في تدبر الآيات وزيادة الإيمان والاستعداد لما وعد الله عز وجل به عباده من النعيم في الآخرة جزاء للعمل الصالح أو لما توعد الله به الظالمين من العقاب فيبتعدون عن أسبابه وما يقرب إليه إن دور العقل أن يتلقى عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم وينقاد لما يتلقاه لا أن يكون حاكما على نصوص الوحيين يأخذ منهما ما يشاء ويترك ما يشاء ومعنى مخاطبة هذا الدين للعقل هو أنه يوقظه ويوجهه ويزكيه ويقيم له منهجا صحيحا للنظر والتفكير لا أنه يتيح له أن يحكم بصحة تشريعاته أو بطلانها فمتى ثبت النص كان هو الحكم وكان على العقل البشري قبول النص والانقياد له وتنفيذه سواء أدرك الحكمة منه أو لم يدرك فالنقل من عند الله العليم الخبير والعقل ليس إلها يحكم بالصحة أو البطلان وبالقبول أو الرفض لما جاء من عند الله وبعدم إدراك الدور الصحيح للعقل يقع كثير من الخلط سواء ممن يريد تأليها العقل البشري وجعله حاكما على النصوص أو ممن يريدون إلغاء العقل ونفي دوره في الإيمان والهدى والاستنباط خلاصة مفاهيم أهل السنة