خلاصة مفاهيم أهل السنة الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان كما في حديث جبريل عليه السلام حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره رواه مسلم وقوله خيره وشره أي تؤمن أن الخير والشر كله مقدر من الله عز وجل كما قال تعالى وخلق كل شيء فقدره تقديرا وقال تعالى وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا فلا بد من الإيمان بتقدير الله عز وجل لكل شيء وقضائه به لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه وقدر الله هو ما قضى به وحكم به سبحانه من الأمور والقضاء معناه الفصل والحكم ولهذا كثيرا ما يعبر بأحد اللفظين عن الآخر أعني القضاء والقدر لكن إذا اقترنا اللفظان معا فقيل القضاء والقدر يلاحظ في القدر معنى زائد هو تقدير الأمر وفق علم الله وحكمته وحدوثه بمقدار معين لا يزيد عنه ولا ينقص فالمقدار من معاني القدر تقول قدر الشيء قدرا أي بين مقداره أما القضاء فهو انفاذ القدر مراتب القدر أربعة تحقيق الإيمان بالقدر يكون بالإيمان بمراتبه الأربعة العلم والكتابة والمشيئة والخلق المرتبة الأولى العلم والمقصود بها الإيمان بأن الله تعالى عالم بكل شيء قبل وقوعه جملة وتفصيلا سواء فيما يتعلق بفعله سبحانه من خلق ورزق وإحياء وإماته إلى آخر ذلك أو ما يتعلق بفعل المخلوقين وكان الله بكل شيء عليما فقوله بكل عام يشمل كل معلوم وقال تعالى وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وهذا العلم من الله تعالى لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان كما قال تعالى قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى فقوله لا يضل أي لا يجهل وقوله لا ينسى أي لا ينسى ما كان معلوما من قبل وذلك بخلاف المخلوق الذي يسبق علمه الجهل كما يعتريه النسيان المرتبة الثانية الكتابة والمقصود بها الإيمان بأن الله تعالى كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وقد قال الله تعالى ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير وقال تعالى ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير المرتبة الثالثة المشيئة والمقصود بها الإيمان بأن كل ما كان وما يكون إنما هو بمشيئة الله عز وجل كما يقول المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وسواء في ذلك ما كان من فعل الله عز وجل أو من فعل المخلوق كما قال تعالى ولو شاء الله مقتتل ولكن الله يفعل ما يريد فالاقتتال هو فعل العبد والله عز وجل جعله بمشيئته وقال تعالى ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون المرتبة الرابعة الخلق والمقصود بها الإيمان بأن الله تعالى هو الذي خلق ما علمه وكتبه وأراده فهو خالق كل شيء والآيات في ذلك كثيرة منها قوله تعالى الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل وقوله عز وجل إنا كل شيء خلقناه بقدر ويدخل في ذلك أيضا أفعال العباد فأفعالهم مخلوقة من الله عز وجل كما قال تعالى والله خلقكم وما تعملون لله سبحانه إرادتان أولا الإرادة الشرعية وهي أوامره عز وجل وتكاليفه الشرعية التي يحبها ويرضاها لعباده وهي الموصوفة باليسر كما قال تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ثانيا الإرادة الكونية القدرية وهي قضاء الله وقدره الذي يقدره في الكون وما يقدره الله قد يكون مرادا شرعا وقد لا يكون كذلك كما في حالة وجود الكفر في الواقع قال تعالى إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر فالخلاصة أن الإرادة الشرعية هي ما أراده الله منا ويحبه ويرضاه والإرادة الكونية هي ما أراده الله بنا ولا يلزم أن يحبه ويرضاه شرعا بل قد ينهى عنه ويكرهه دينا وشرعا وإنما أراده بحكمته وعدله للابتلاء ولمصالح لا نعلمها وهو يعلمها ويلخص ذلك حوار بالإشارة والكناية دار بين معتزلي نافل للقدر وسني مثبت الله قال المعتزلي سبحان من تنزه عن الفحشاء يشير بذلك إلى أن الله لا يقدر الشر والمعاصي قال السني سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء يريد أن كلا من الخير والشر هو بقدر الله فسأل المعتزلي أفيحب ربنا أن يعصى فأفحمه السني بقوله أفيعصى ربنا مكره الإرادة الشرعية والإرادة الكونية بين الاتفاق والافتراق للإرادة الشرعية مع الإرادة الكونية حالات أولا فقد تجتمع الإرادتان كما في حالة المرء المطيع إيمان المؤمن فالله عز وجل يريد منه الإيمان شرعا ويقدره له كونا ثانيا وقد تنتفي الإرادتان كما في حالة عدم كفر المؤمن فالله عز وجل لا يريد شرعا من المؤمن أن يكفر ولا يقضي عليه به كونا وقدرا ثارثا وقد توجد إحداهما وتنتفي الأخرى وذلك في حالتين الأولى عدم إيمان الكافر فالله عز وجل يريد شرعا من الكافر الإيمان ولكن لم يقدره له كونا كما قال نوح عليه السلام لقومه ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون الثانية كفر الكافر فالله عز وجل لا يريد شرعا الكفر من الكافر ولكن يقدره عليه كونا مشيئة العبد تحت مشيئة الله قال الله تعالى لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين وقال تعالى فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله فأثبت سبحانه للعبد مشيئة وإرادة حقيقية ولكن جعلها من بعد مشيئته عز وجل وتحتها فلا تكون إلا إذا شاء الله وأراد لأنه سبحانه هو خالق العبد ومشيئته وأصل الضلال في مسألة الجبر والاختيار هو عدم التفريق بين المشيئتين وعدم إدراك هذه العلاقة بينهما فمن فهم ذلك إطمئن قلبه ولم يحر في هذه المسألة مشيئة الله ترتبط بعلمه وحكمته عز وجل ينبغي على كل مؤمن أن يوقن أن مشيئة الله تعالى لا ظلم فيها وإنما يشاء الله لكل أحد ويقدر عليه ما يعلم أنه يستحقه من هدى أو ضلال فيجري ذلك عليه وفق حكمته وعدله عز وجل فقول الله تعالى فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم كما يؤكد أن مشيئة الله عز وجل لا غالب لها وهو ما يفيده قوله عز وجل وهو العزيز يؤكد أيضا أن تلك المشيئة هي وفق حكمته سبحانه وهو ما يفيده قوله الحكيم وكذلك ينبغي أن تفسر المشيئة المطلقة في الآية بالآيات الأخرى المقيدة لها فقوله فيضل الله من يشاء يفسره ويقيده قوله تعالى ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء فمشيئته سبحانه هي إضلال من علم أنه ظالم يستحق ذلك كما قال تعالى أيضا فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم وكذلك الأمر بالنسبة للهداية فقوله تعالى ويهدي من يشاء يفسره قوله عز وجل ويهدي إليه من أناب فالخلاصة أن الله سبحانه حكيم عليم لا يقدر على أحد إلا ما سبق في علمه سبحانه أنه يستحق ما قدره عليه من هدى أو ضلال وبهذا يسلم المؤمن من الجدل العقيم في قضية الجبر والاختيار تلك القضية القديمة التي لاكتها ألسنة الفلاسفة في كل عصر القضاء والقدر هو سر الله تعالى في خلقه لا تقوم شجرة الإيمان بالقدر في قلب العبد المؤمن إلا على ساق التسليم بأن الله عز وجل حكم عدل لا يظلم أحدا وله الحكمة البالغة فيما يقدره في خلقه وما لا تظهر لنا حكمته فيما يقضيه سبحانه فلقصور عقولنا عن إدراك أسرار قدره عز وجل يقول الإمام الطحاوي رحمه الله وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة فإن الله تعالى طوا علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه كما قال تعالى في كتابه لا يسأل عن ما يفعل وهم يسألون فمن سأل لما فعل فقد رد حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين والله عز وجل لا يسأل عن ما يفعل لأنه لا يفعل إلا ما فيه حكمة أقوال مأثورة في الرضا بالقدر عن محمد بن كعب قال قال موسى عليه السلام أي ربي أي خلقك أعظم ذنبا قال الذي يتهمني قال أي ربي وهل يتهمك أحد قال نعم الذي يستخيرني ولا يرضى بقضائي اختلف سفيان الثوري ويوسف بن أسباط فيما يتمنيان حال وقوع الفتن فتمنا سفيان الثوري الموت فرارا منه ورد يوسف بن أسباط بأنه لا يكره طول البقاء رجاء أن يوفق لتوبة أو عمل صالح فقال وهيب بن الورد لا أختار شيئا أحب ذلك إلي أحبه إلى الله فقبل الثوري بين عينيه وقال روحانية ورب الكعبة ومن أقوال المعاصرين قال مصطفى السباع ربما كان فيما تستعجل من الخلاص من الآلام والأمراض تعرض لمحنة أقسى وبلاء أشد فلا تستبطئ ربك بالرحمة فإنه وعدك بما يراه هو رحمة لك لا بما تراه أنت رحمة والله يعلم وأنتم لا تعلمون معرفة أسماء الله الحسنى والتعبد بها يعين على الرضا بالقدر إن معرفة أسماء الله الحسنى وآثارها ومقتضياتها في الخلق والأمر والتعبد لله لحانه بذلك يعين المرء على الرضا بقضاء الله تعالى وقدره لا سيما أسماؤه الحسنى العليم الحكيم اللطيف الخبير الرحمن الرحيم الرؤوف الودود لزوم سلامة القلب من الاعتراض على ما لا يمكن دفعه من المصائب إذا ما حلت بالمرء مصائب ومقدرات لا يمكن دفعها رغم بذل المستطاع من الأسباب فإن عليه حينئذ التسليم لقضاء الله وقدره والصبر على مقدوره واليقين بحكمته فيما قضاه وقدره ويتفاوت الناس في حالهم مع المصائب ولهم في ذلك أربع حالات الأولى حال محرمة وهي الجزع والسخط وعدم الصبر وهذا ينافي الإيمان بالقدر الثانية حال واجب وهي الصبر على هذا المقدر الثالثة حال مستحب وهي الرضا بهذا المقدر المقضي وعدم كره وهذا يفترق عن الرضا بالقضاء نفسه الذي هو واجب الرابع حال كمال وهي الشكر لله على قضائه ومقضيه الرضا بقدر الله الذي قد تكرهه النفس ما قد تكرهه النفس البشرية إما أن يكون أمرا شرعيا أو قدرا مقضيا فينبغي على المؤمنين أن يعلموا أن ما أراده الله بهم شرعا أو قدرا هو خير لهم من ألا ينزله بهم وهو لطف بهم وإحسان فالله سبحانه عليم خبير وهو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين فمما شرعه الله على المؤمنين وقد يكرهونه أو يكرهه بعضهم الجهاد في سبيل الله قال تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا والله يعلم وأنتم لا تعلمون وعسى من الله إيجاب فالمقصود أن ما تكرهونه من مشقة الجهاد يوجب الخير لكم حيث تغلبون وتغنمون وتؤجرون وتظهرون الحق وتنصرونه وتخذلون الباطل وحزبه ومن يقتل منكم فهو شهيد في المقابل فإنما تحبون من الدعة وترك القتال يوجب لكم الشر في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم والرضى بالشرع ولانقياد له واجب لا يتم الإيمان إلا به ولا خيار فيه للمؤمن قال تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله يكون لهم الخيرة من أمرهم أما الكره الجبلي مع استسلام القلب والقياده للأمر فلا يؤاخذ عليه المر ومما قد يقدره الله على المؤمن ويكره الزواج من امرأة يظهر منها تجاهه ما يكره قال تعالى في ذلك وعاشرونهن بالمعروف فإن كرهتمهن فعسى أن تكره شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا فقال فعسى أن تكره شيئا ولم يقل فعسى أن تكره مرأة وهذا تعميم يرشدنا إلى قاعدة عامة تصدق في جميع الأشياء للنساء خاصة هذه القاعدة هي أن بعض ما يكرهه الإنسان قد يكون فيه خير له ويعرف العقلاء وصدق ذلك من تجار بالحياة فالقرآن الكريم يأخذ بالنفس البشرية لتؤمن وتستسلم في أمر الغيب المخبو بعد أن تبذل ما تستطيع في محيق السعي المكشوف الإيمان بالقدر والأخذ بالأسباب من سنن الله عز وجل في كونه ربط المسببات بأسبابها فما يجري من المقادير في الأرض هو في الأصل وعلى وجه العموم مرتبط بالأسباب الموجبة له ولهذا أرشدنا الله إلى الأخذ بالأسباب في أمور دنيانا وأمور آخرتنا كما قال الله تعالى لمريم عليه السلام حين جاءها المخاض وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا وقد كان قادرا أن ينزل عليها الرطب من غير فعل منها وأمرنا بأخذ الحذر من العدو فقال يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وهو قادر على أن يكفينا إياه من غير فعل منا فهذا في أمر دنيانا وكذلك الشأن في أمور ديننا فقال تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم وقال تعالى أيضا فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم فقضى الله عز وجل أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها كما أن من عقوبة المعصية المعصية بعدها ولهذا فالأخذ بالأسباب أو دفع المحذور لا ينافي الإيمان بالقدر بل هو أيضا من القدر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين امتنع عن دخول الشام لما علم بانتشار الطاعون فيها وقيل له أفرارا من قدر الله قال نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله متفق عليه الأخذ بالأسباب لا يعني التعلق بها الأخذ بالأسباب بناء على أن من سنن الله ارتباط المسببات بأسبابها لا يعني التعلق بها ولانقطاع إليها دون الإيمان بأن تحقق الأمر هو بمشيئة الله وحكمته أي ينبغي أن لا يعتقد أحد أنه مادام قد أخذ بالأسباب فلا بد أن يتحقق ما أراده دون الحاجة لإرادة الله في ذلك فهذا الانقطاع إلى الأسباب بتلك الصورة يعد شركا كما أن الإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع ونفي تأثيرها مخالف للعقل فللأسباب تأثير في المسببات ولكن من بعد إرادة الله ومشيئته تماما كما أن للعبد مشيئة وإرادة من بعد مشيئة الله وإرادته طلاقة المشيئة الإلهية وثبات السنن الكونية الأخذ بالأسباب مع عدم التعلق بها مبني على إدراك طلاقة المشيئة الإلهية التي قد تخرق ثبات السنن الكونية لحكمة يعلمها الله فالله سبحانه قادر متى شاء وكيف شاء أن يخرق هذه السنن فهو فعال لما يريد وهو على كل شيء قدير فقد منع الله النار أن تحرق إبراهيم عليه السلام خلافا لثبات هذه السنة الكونية قال تعالى قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ورزق زكريا عليه السلام بيحيا عليه السلام رغم كبر سنه قال تعالى فالخلاصة أن المؤمن ينبغي أن يأخذ بما يستطيع من الأسباب ويعلق رجاءه بعد ذلك بالله وحده فيكون بذلك وسطا بين من يفرط في النظر على ثبات السنن الكونية وحتميتها وعدم قابليتها للتخلف بحال ومن يفرط في الأخذ بالأسباب زاعما اعتماده على مشيئة الله وطلاقتها ومثال تلك الوسطية ما قام به المسلمون في غزوة بدر حيث أخذوا بما يقدرون عليه من الأسباب واستنفدوا وسعهم في ذلك وعلقوا رجاءهم بالله فأمدهم سبحانه بالملائكة الذين مكنوهم من النصر رغم قلة عددهم وعتادهم وهو المخالف للمعتاد في نظر الناس قال تعالى إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين صورتان للانحراف في فهم القدر اولا الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي والكفر وقد قال تعالى فيهم سيقول الذين اشركوا لو شاء الله ما اشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون فأكذبهم الله في دعواهم تلك وهؤلاء وأمثالهم مكابرون ومتناقضون في دعواهم ولا يمكنهم اضطرادها في كل أمر فلو اساء إليهم مسيء بضرب أو سلب حق ثم احتج عليهم بأن ذلك موجب القضاء والقدر لم يقبلوا منه ذلك بل سيغضبون منه أشد الغضب وسينافحون عن حقهم المسلوب فيا عجبا كيف يحتجون بالقدر على المعاص وما يسخط الله ولا يرضون من أحد ان يحتج به في مقابلة سخطهم عليه لما يغلط به عليهم ثانيا الجمود والتواكل حيث اتخذ بعض المسلمين في العصور المتأخرة مبررا واهيا لعجزهم وانهيارهم ورضاهم بالفساد والمهانة متناسين ان أقدار الله تجري عليهم في الأصل وفق سنن الله الثابتة التي تربط المسببات بأسبابها فكان ذلك العجز والتواكل هو المنفذ الرئيس لتسر بالفكر العلماني الى واقع الأمة المسلمة وسيطرته على مقاليد فيها وقد سمى مالك ابن نبي هذا العجز وقبول الذل بقابلية الاستعمار وسماه المودود قابلية الاستعباد ولا شك ان الحق في هذا الامر يكون كما ذكرنا من قبل في التوازن بين العمل بكل ما في الوسع لدفع المحذور حتى نصل الى منتهى الاستطاع ثم الاستسلام لما يقدره الله لإيماننا به وهذا يعني فعل الأسباب التي سخرها الله لنا ومدافعة أقدار الله عز وجل بأقداره مادام هناك إمكان للمدافعة كما قال تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين فاذا لم تجد المدافعة في الامكان فالواجب الصبر على قضاء الله وقدره مع اليقين بأن وراء ذلك خيرا ومصلحة ورحمة ينبغي بذل الجهد في التماسها وتسخيرها للخير والإصلاح وتغيير احوال الناس بمحاسبة النفوس وإزالة أسباب المصيبة إيمانا بقول الله تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم وبهذا يتضح جليا الفرق بين التوكل والتواكل حيث التوكل هو عمل القلب وعبوديته اعتمادا على الله وثقة به والتجاء إليه وتفويض إليه ورضا بما يقضيه مع قيام المرء بالأسباب المأمور بها والتواكل عجز وتعقيل للأسباب وتفريق فيها زعما أنه من التوكل والإيمان بالقدر نواقض الإيمان بالقدر أولا إنكار القدر والتكذيب به فينكر أن الله عز وجل علم الأشياء قبل وقوعها أو أنه كتبها ثانيا الاستخفاف بالقدر والاستهزاء به والسخرية منه ولو لم يكذب به ثالثا معارضة الله عز وجل في أقداره أو اعتقاد أنها عبث وسدى رابعا اعتقاد أن تقدير المصائب من الله عز وجل على عباده ظلم لهم تعالى الله عن ذلك خامسا اعتقاد أن الله عز وجل يرضى بالمعاصي والشرك التي تقع من العبد التي تقدرها علي من ثمرات الإيمان بالقدر تتلخص أهم ثمرات الإيمان بالقدر في أولا تعظيم الله عز وجل وإجلاله لما في الإيمان بالقدر من تجل أسماء الله الحسنى وصفاته العليا كالعلم والحكمة والخلق والقدرة والعزة وقهر كل شي ثانيا رضية عند حلول المصائب لأن العبد إذا علم أن ما أصابه لم يكن لأخطئه وما أخطئه لم يكن ليصيبه رضي وسلم ثالثا سكون النفس وطمأنينتها عند استقبال الأحداث خيرها وشرها فلا تجزع الجزع الذي تذهب معه حسرات عند الضرى ولا تفرح الفرح المطغي قال تعالى ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسو على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور رابعا المضي في الطريق إلى الله بلا حيرة ولا قلق ولا سخط على العقبات والمشاق ولا قنوط من عون الله ومدده ولا خوف من ضلال القصد أو ضياع الجزاء خامسا سلامة القلب من الحقد والحسد إذ هما في الحقيقة معارضة لقدر الله عز وجل فيما يقدره من النعم على عباده 6 السلامة من الضلالات التي أصابت بعض الطوائف الضالة في باب القدر كالقدرية والجبرية تلك الضلالات التي تؤثر سلبا على أعمال أصحابها وتصرفاتهم 7 بذل الجهد في الأعمال الصالحة والفرار من أقدار الله التي لا يرضاها إلى أقداره التي يرضاها 8 سؤال الله عز وجل الهداية والثبات والخوف من زيغ القلب وزلة القدم فلا معصوم من ذلك إلا من رحم الله فهداه وثبته 9 صدق التوكل على الله عز وجل واللجوء إليه وحده خلاصة مفاهيم أهل السنة