بسم الله الرحمن الرحيم أصناف الرجال في حديث أم زرع زوج العشنق لا يخلو زمان من معاناة للمرأة من زوجها ولا من معاناة للرجل من زوجته فطبيعة هذه الحياة أنها لا تخلو من كدر ولكن معاناة عن معاناة تختلف فهناك معاناة مؤقتة وهناك معاناة دائمة أصعبها وأطولها المعاناة المتعلقة بطباع الرجل أو المرأة والصعوبة نابعة من عدم رغبة الإنسان في تغيير طباعه والتأقلم مع من حوله وإلا فكل خلق ذميم قابل للتغيير ومن غير نفسه غير الله أحواله وقد ينكر بعض الناس إمكانية تغيير الأخلاق بحجة أنه فطر على ذلك ويقولون الطبع يغلب التطبع ويرد على هذه الدعوة الإمام الغزالي رحمه الله فيقول لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ويحتج الغزالي على هذه المقولة بأمر آخر فيقول وكيف ينكر هذا في حق الأدم وتغيير خلق البهيمة ممكن إذ ينقل الباز من الاستيحاش إلى الأنس والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد وكل ذلك تغيير للأخلاق فإذا كان هذا في البهائم ففي الإنسان الذي كرمه الله بالعقل من باب أولى فلا يصح التعذر بقول الرجل أو المرأة هذا طبعي فالطبع الحسن يبقى عليه والطبع السيء يغير وما مر معنا في معاناة الزوجة الأولى والثانية كله يرجع إلى طباع سيئة في الرجل لم يغيرها وهذه هي المعاناة الثالثة ترويها المرأة الثالثة فتقول زوج العشنق إن أنطق أطلق وإن أسكت أعلق معاناة تدل على أن المرأة لا تسلم لا في الصمت ولا في الحديث فماذا تفعل قال أبو عبيد الهروي رحمه الله العشنق الطويل قاله الأصمعي تقول ليس عنده أكثر من طوله بلا نفع فإن ذكرت ما فيه من العيوب طلقني وإن سكت تركني معلقة لا أي من ولا ذات بعل فهذه المرأة تصف زوجها بأنه طويل فهل هي تمدحه أم تذمه سياق الكلام يدل على الذم فماذا تقصد بهذه الكلمة قال ابن حجر رحمه الله قال الأصمعي أرادت أنه ليس عنده أكثر من طوله بغير نفع وقال غيره هو المستكره الطول وقيل ذمته بالطول لأن الطول في الغالب دليل السفة وقال أيضا رحمه الله قال أبو سعيد الضرير الصحيح أن العشنق الطويل النجيب الذي يملك أمر نفسه ولا تحكم النساء فيه بل يحكم فيهن بما شاء فزوجته تهابه أن تنطق بحضرته فهي تسكت على مضب قال الزمخشري وهي من الشكاية البليغة انتهى ويؤيده ما وقع في رواية يعقوب بن السكيت من الزيادة في آخره وهو على حد السنان المذلق بفتح المعجمة وتشديد اللام أي المجرد بوزنه ومعنى تشير إلى أنها منه على حذر ويحتمل أن تكون أرادت بهذا أنه أهوج لا يستقر على حال كالسنان الشديد الحد أما وصفه بأنه سفيه أهوج فهذا واضح المذمة فالعرب تقول فيما له منظر بلا مخبر يرى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل أما وصفه بأنه لا تتحكم فيه النساء فهذا من معاني الرجولة فلا يعتبر مذمة وسياق حديثها يدل على أنها تذمه بوصفه طويلا فالمعنى الصحيح أن هذا النوع من الرجال لهم مظهر وليس لهم مخبر ومع الأسف يكثر اليوم بين الشباب من يعتني بمظهره ليخرج بين الناس بشكل أنيق فإذا نطق وتكلم أظهر لك عقله الصغير وحتى يتخلص الرجل من هذه الآفة فعليه بالعلم والثقافة التي تنمي عقله لا التي تنمي عضلاته وحسب والمصيبة الكبرى لو انشغل الزوج والزوجة بما يسمى اليوم بالتفاهة فإن الحياة الزوجية ستنهار سريعة ومن نظر إلى حياة المشاهير عن كثب وجد الشقاء والدمار الذي يعيشه هؤلاء الذين يخدعون الناس بالمظاهر البراقة وينامون على أشواك المشاكل والاختلاف لأن عقوله مشتغلت بالتوافه من الأمور وكان جل اهتمامه متصوير البراقة الكاذب ونشره في وسائل التواصل لكسب المتابعين ونيل الشهرة وليست هذه هي المعاناة الوحيدة التي عاشتها هذه المرة بل هناك معاناة أخرى عبرت عنها بقولها إن أنطق أطلق وإن أسكت أعلق قال ابن حجر رحمه الله والذي يظهر لي أيضا أنها أرادت وصف سوء حالها عنده فأشارت إلى سوء خلقه وعد محتماله لكلامها إن شكت له حالها وأنها تعلم أنها متى ذكرت له شيئا من ذلك بادر إلى طلاقها وهي لا تؤثر تطليقه لمحبتها فيه ثم عبرت بالجملة الثانية إشارة إلى أنها إن سكتت صابرة على تلك الحال كانت عنده كالمعلقة التي لا ذات زوج ولا أي فهي لا تعيش معه مطمئن بل تعيش في قلق دائم قال القاضي عياض رحمه الله فمقتضى جميع ما وصفته به سوء الخلق والعشرة وأنها لا تأمن أذاه وضره وأنه مع هذا مذموم المرأة والخلقة وأنها على حذر من صحبته غير مطمئنة النفس ولا مستقرات الجأش معه متوقعة أذاه أو فراقه فهي معه كمن هو على حد السنان من المخافة والحذار وعدم الطمأنينة والاستقرار والعرب تقول لمن يكون على حذر وغير استقرار كأنه على مثل سن الرمح ومثل حد السيف ومثل قرن الضبي من القضايا المهمة للمرأة في حياتها الزوجية أن تشعر بالأمان والاستقرار مع زوجها وهذه المرأة لا تعرف الأمن ولا الاستقرار لأن الزوج لا يقبل منها الكلام ويهددها بالطلاق لو تكلمت وإن سكتت عاشت معه معلقة والله عز وجل نهى الرجل عن إيذاء المرأة بتعليقها في الحياة الزوجية فلا هي زوجة ولا هي مطلقة فقال وَلَنْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْدِلُ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ قال السعدي رحمه الله فإن الزوجة إذا ترك زوجها ما يجب لها تصارت كالمعلقة التي لا زوج لها فتستريح وتستعد للتزوج ولا ذات زوج يقوم بحقوقها وتعليق المرأة مؤذن جدا لها لأن الحياة الزوجية قائمة على العلاقة الشرعية بين الزوجين فإذا قصر الزوج في إعفاف المرأة فإنه يعرضها للفتنة وخاصة في مثل هذا الزمان الذي تخترط فيه المرأة بالرجال في كثير من الأعمال ودل كلام المرأة الثالثة على أنها تحب زوجها ولا تريد غيره لأنها لو كانت تكره لتكلمت وبينت عيوبه ليطلقها ولكنها آثرت السكوت على الكلام مع أن السكوت مؤذن لها كذلك لأنها ستبقى معلقة لا تنال من الحياة الزوجية ما يناله غيرها من النساء إلا ما ندر ومع ذلك آثرت البقاء معه لحبها له فهل يقدر الرجل هذا الحب الذي عند المرأة له مع شدة إيذاءه لها وهل يعيد النظر في أسلوب حياته مع زوجته نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين