قصص الأنبياء قصص الأنبياء عليهم السلام صلاة الله عقبها سلام على خير الخلائق أجمعي أولو عزمين مقابهم رفيع قصة داوود عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد بقي بنو إسرائيل على طريق الاستقامة مدة من الزمان ثم إنهم أحدثوا الأحداث بعد ذلك وفعلوا المنكرات وعبد بعضهم الأصنام ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويقيمهم على التوراة إلى أن فعلوا ما فعلوا من الموبقات فسلط الله عليهم أعداءهم فقتلوا فيهم مقتلة عظيمة وأسروا خلقا كثيرا وأخذوا منهم بلاد كثيرا بل واستلبوا منهم التابوت الذي هو موروث وعباد الله عليه السلام وأخذوا التوراة من أيديهم ولم يبق من يحفظها فيهم إلا القليل وبعد زمن طويل انتفضت فيهم العقيدة من جديد فطلبوا من نبي لهم اسمه شمويل أن يختار لهم ملكا يقودهم في معركة الكرامة مع الأعداء الذين سلبوهم ملكهم وأموالهم وديارهم لما أراد نبيهم أن يستوثق من صحة عزمهم على القتال قال لهم أخشى إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا وترجعوا في كلامكم استنكروا عليه هذا القول وارتفعت حماستهم إلى الذروة وهم يقولون وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا أرى منهم نبيهم تلك العزيمة دعى الله تعالى لهم فلما كتب الله عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم كما هي طبيعة بني إسرائيل في نقض العهد والنكوص عن الوعد والتفرق في منتصف الطريق اختار الله لبني إسرائيل ملكا يقال له طالوت كان سقاء وقيل كان دباغا وكان من المتعارف عندهم أن النبوة تكون في سبط لاوى وأن الملك في سبط يهوذا فلما اختار الله طالوت ملكا عليهم وهو من سبط بنيامين نفروا منه وطعنوا في إمارته وقالوا نحن أحق بالملك منه وذكروا أنه فقير قلت له من المال قال لهم نبيهم إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة والعسكرة وإدارة المعارك وبسطة في الجسم ليعظم خطره وأثره في القلوب والمعارك فقالوا لنبيهم إن كنت صادقا فأتنا بآية قلوا على أنه ملك فخيرهم نبيهم أي آية يريدون فقالوا أن يرد علينا التابوت وهو صندوق عليه صفائح من ذهب وفيه السكينة والوقار وفيه بقية من آثار موسى وهارون عليهما السلام وهي عصى موسى وثيابه وبعض الألواح التي كتبت فيها التوراه فجاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون فآمنوا بنبوة شمويل وأطاعوا طالوت خرج طالوت بجيش قوامه ثمانون ألفا ولكنه قد علم أنه سيواجه جيشا جرارا يفوقهم عدة ويكثرهم عددا فيه رجال أشداء أقويا وعلم طالوت أيضا أن جيشه من أمة مغلوبة عرفت الهزيمة والذلى تاريخا طويلا فأراد أن يختبرهم قبل الوصول إلى أرض المعركة فقال لهم إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني أي فلا يصحبني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده أي فلا بأس عليه فشربوا منه إلا قليلا منهم وهنا يتنق الصف من جديد ويخرج منه آلاف مؤلفة إن قلبوا على أعقابهم قال ابن عباس رضي الله عنهما من غرف منه بيده روي ومن شرب منه لم يروى فشرب ستة وسبعون ألف وتبقى معه أربعة آلاف فلما خرجوا إلى ساحة المعركة واستشرفوا للقتال لمحوا من أعدائهم رجالا أشدا يفضلونهم أهبة ويفوقونهم عدة وجالوت شجاعهم وقائدهم وكبش كتيبتهم يصول ويجول فانقسم أصحاب طالوت فريقين فريق منهم خار عزمهم وانخلع فؤادهم وتخاذلت قوتهم وقالوا لا طاقت لنا اليوم بجالوت وجنوده وانخذل هؤلاء عن الجيش المؤمن وفريق منهم ظلت معنوياتهم صابرة صامدة وهم الذين عمر الإيمان أشربوا فيها حب الله تعالى واستعدوا للموت ولم تزعجهم كثرة أعدائهم ولم تردعهم قلة عددهم فصفوا على ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا قال هؤلاء كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين هذه الفئة المتصلة بالله هي التي تحدد مصير المعركة بعد أن تجدد عهدها مع الله وتتجه بقلوبها إليه وتطلب النصر منه وحده وهي تواجه وحدها ذلك موقفا رهيب كان من أتباع طالوت شاب يافع يبلغ السابعة عشرة من عمره اسمه داوود كان يرع الغنم لأهله خرج مع إخوته الكبار لمناجزة جيش جالوت فلما اصطف الفريقان خرج جالوت يتبختر بين الصفين وكان من العمالقة الجبارين وكان فارسا شجاعا لا يقوم له أحد فطلب المبارزة فهابه الناس وأحجموا عن مبارزته حتى قال طالوت من يبرز إليه ويقتله فأنا أزوجه ابنتي ويكون له الملك من بعدي فجاء داوود وقال أنا أبرز إليه فازدراه طالوت حين رآه لصغر سنه وقصر قامته ثم ناد ثانية وثالثة فلم يخرج أحد فأتاه داوود وقال أنا أبرز إليه وأقتله إن شاء الله فأذن له طالوت فنزل وأخذ سلاحه ومقلاعه وخرج إلى جالوت فلما رآه استصره وقال له أنت يا فتا تخرج إليه قال داوود نعم وأنا قاتلك فغضب جالوت وأراد أن يضرب داوود بسيفه فامتنع داوود من ضربته ثم رماه بالمقلاع وسم الله فأصاب به رأس جالوت فصرعه ثم حز رأسه ورما به إلى جيشه فاختلط الناس فكانت الهزيمة وأعطى الله تبارك وتعالى عبده داوود ملك بني إسرائيل من بعد طالوت وأعطاه النبوة التي هي أشرف من الملك من بعد شمويل عليه السلام زيادة في ترقيته في درجات الشرف والكمال ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبله في بني إسرائيل ومن هنا بزغ نجم نبي الله داوود عليه السلام وقد امتنى الله على داوود عليه السلام بأمور وعلمه أشياء خصه بها دون سواه وأثنى عليه بصفات تميز بها عن غيره من البشر فمن ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد قوى له ملكة بأن جعل له في قلوب الناس فكان أشد ملوك الأرض سلطانا وكان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل لا تعود عليهم النوبة حتى العام المقبل وقد حكم داوود عليه السلام أربعين سنة لم تشهد فترة حكمه أي محاولة للاعتراض عليه وآته الله الحكمة وهي النبوة وآته الله فصل الخطاب وهو الفهم القوي الثاقب للمرافعات والحكم السديد النافذ في المنازعات وهو أيضا حسن الخطاب وبلاغة الكلام فهو أول من قال أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر ولقد آت الله داوود عليه السلام الزبور وهو كتاب من عند الله يجتمل على مائة وخمسين سورة كلها دعاء وتمجيد وثناء على الله عز وجل ليس فيها حرام ولا حلال ولا فرائض ولا حدود وخفف عليه قراءته فكان يأمر بدابته لتسرج فيقرأ الزبور كله قبل أن يفرغ من دابته ومما كتب فيه أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون وهم محمد صلى الله عليه وسلم وأمته وآتاه الله أيضا الصوت الحسن الرخيم الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات الصم الشامخات وتقف له الطيور السارحات الغاديات والرائحات وتجاوبه بأنواع اللغات ويطرب له كل من سمعه من الإنس والجن والطيور والجبال فتسبح تبع الله ويحصل له أجر تسبيحها لأنه سبب ذلك وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه يقرأ من الليل فوقف فاستمع لقراءته وقال لقد أوتي هذا مزمار من مزامير آل داوود ووصف الله تعالى داوود عليه السلام بأنه أواب أي كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة وأنه ذلأيد أي أنه صاحب قوة وجلد في الطاعة والعبادة ففي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أحب الصلاة إلى الله صلاة داوود وأحب الصيام إلى الله صيام داوود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثة وينام سدسة وكان يصوم يوما ويفتر يوما ولا يفر إذا لاقا وامتدح الله داوود عليه السلام بالصبر وأوصى نبينا صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذاق ريش له مذكرا إياه صبر داوود عليه السلام ليقتدي به فقال تعالى اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذلأيد إنه أواب إننا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشور كل له أواب وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب وقد اختص الله سبحانه وتعالى داوود عليه السلام بأمر لم يكن لأحد قبله ولا بعده وهو إلانة الحديد له فكان الحديد في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقه روي أن داوود عليه السلام كان يخرج متنكرا فيسأل الناس عن ملكهم داوود وعن سيرته فلا يسأل أحدا إلا أثنى عليه خيرا فبعث الله ملكا في صورة رجل فنقيه داوود فسأله كما كان يسأل غيره قال هو خير الناس لنفسه ولأمته إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه لكان كاملا قال وما هي قال يأكل ويطعم عياله من بيت مال المسلمين فعند ذلك نصب داوود عليه السلام إلى ربه في الدعاء وسأله أن يعلمه عملا يستغني به ويغني به ويطعم عياله فألان الله له الحديد وعلمه صنعة الدروع فهو أول من عملها وارشده الله أن يعملها سابغات تغطي كامل الجسم وأن يقدر في سرد حلقاتها فلا تكون صغيرة فتثقر المقاتل ولا تكون واسعة بحيث تنفذ منها الرماح وتقطعها السيوف وإنما بين ذلك قال الله تعالى و لقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد أنعمل سابغات وقدر في السرد وعملوا صالحا إني بما لما تعملون بصير فكان داوود عليه السلام يصنع الدروع بيده ويبيعها فيأكل من ثمنها ويتصدق فهو مع كونه ملكا قد مكن الله له في الأرض ومع ذلك كان لا يأكل إلا من عمل يده في ذات يوم وبينما داوود عليه السلام خالن بنفسه يتعبد في محرابه قد أغلق عليه بابه تفاجأ بجماعة يتسورون عليه المحراب ففزع منهم كونهم دخلوا عليه في وقت غير معهود وبلاستئذان وكيف قد استطاعوا تجاوز كل الحرس ووصلوا إليه وفي الحقيقة أن هؤلاء لم يكونوا إلا ملائكة فقالوا له لا تخاف نحن خصمان اختلفنا فيما بيننا وجئناك لتحكم بيننا بالحق فلا تشطط بالميل إلى أحد الطرفين فقال أحد الخصمين إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة وأنا لي واحدة فطلبها مني ليضمها إلى نعاجه وألح علي وغلبني في مخاطبته لأنه أقوى وأفصح مني وأمام هذه القضية الواضحة المعالم وعدم اعتراض أخيه على قوله لم يلبث أن قال داوود عليه السلام في حكمه لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وذلك قبل أن يسمع من الطرف الآخر فذلك اختفى الخصمان وأدرك داوود عليه السلام خطأه وعلم أن هذا كان اختبارا له من الله فكان يجب عليه أن يسمع من الطرفين قبل البت في الحكم لذا خر ساجدا لله تعالى وأناب قال الله تعالى وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسنور محراب إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فحكم بيننا بالحق فحكم بيننا بالحق ولا تشطط وهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسعون نعجة ولي نعجة واحدة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليلناهم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه فاستغفر ربه وخرى راكعا وأناب فغفرنا له ذلك وإن له عندنا مرفى وحسن مآب يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فحكم بين الناس بالحق فحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوا فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب أيها الإخوة الكرام لقد ذكر نبي الله داوود عليه السلام في القرآن 16 مرة ومن قصته نستفيد العديد من الدروس والعبر منها أن الله قد عمل في خلقه كما أهلك قائد العماليق جالوت بمقلاع داوود عليه السلام وأهلك قومه ذوي العدد والعتاد ببضعة عشرة وثلاثمائة رجل مؤمن بالله المناصب لا تغير من حال الشخص فداوود عليه السلام معما هو فيه من الملك والغناء إلا أنه كان حدادا يأكل من عمل يده وكان صواما قواما كثير الذكر والتسبيح لله تعالى فضل الله تعالى على داوود عليه السلام فقد رآه آدم عليه السلام في عالم الذر من بين ذريته وبين عينيه وبيص من نور فسأل عنه فقال الله هذا عبد صالح من آخر ذريتك الله تعالى يمدح ويحب القوة في طاعته قوة القلب والبدن فإنه يحصل منها من آثار الطاعة وحسنها وكثرتها ما لا يحصل مع الوهن وعدم القوة وأن العبد ينبغي له تعاطي أسبابها وعدم الركون إلى الكسل والبطالة المخلة بالقوة المضعفة للنفس اعتناء الله تعالى بأنبياءه وأصفياءه عندما يقع منهم بعض الخلل بفتنته إياهم وبتلائهم بما به يزول عنهم المحذور ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى كمال حلم داوود عليه السلام فإنه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان وهو الملك ولا انتهرهما ونبخهما ينبغي على العبد أن يقمن الموعظة والنصح ولو كان كبير القدر جليل العلم فإذا وعظه أو نصحه أحد لا يغضب ولا يشمئز بل يبادر بالقبول والشكر فإن الخصمين نصح داوود عليه السلام فلم يشمئز ولم يغضب المخالطة بين الأقارب والأصحاب وأن اللقات الدنيوية والمالية بينهم موجبة للتعادي بينهم وبغي بعضهم على بعض وأنه لا يرد عن ذلك إلا استعمال تقوى الله والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح وأن هذا من أقل شيء في الناس للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين كنتم مع قصص الأنبياء