بسم الله الرحمن الرحيم بأقلام الشوق ومداد الحب نُسطِّر حُظوفاً أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الشمائل المحمدين باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمر بن العاصر رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بوجهه وحديثه على أشر القوم يتألفهم بذلك فكان يقبل بوجهه وحديثه علي حتى ظننت أني خير القوم فقلت يا رسول الله أنا خير أو أبو بكر قال أبو بكر فقلت يا رسول الله أنا خير أو عمر قال عمر فقلت يا رسول الله أنا خير أو عثمان قال عثمان فلما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقني فلوجدت أني لم أكن سألته في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جاء إلى مجلسه من هو فض غليظ يعرف بسوء المعاملة والخلق يلقاه صلى الله عليه وسلم بالوجه الطليق والمعاشرة الطيبة فيجعل وجهه صلى الله عليه وسلم قبال وجهه ويقبل عليه بالحديث وهذا من تمام حكمته وكرم خلقه وحسن صحبته وقوله فكان كثيرا ما يقبل بوجهه وحديثه علي حتى ظننت أني خير القوم يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلقاه بالبشر ويقبل عليه بالحديث حتى ظن أنه أفضل الصحابة من كثرة التفاته علي وقوله فقلت يا رسول الله أنا خير أو أبو بكر ثم سأله عن عمر ثم عن عثمان وفي هذا إشارة إلى أنه تقرر في نفوس الصحابة أجمع أن خيرهم على الإطلاق أبو بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم أجمعين لذلك خصهم بالذكر بدأ بالأفضل ثم الفاضل وقوله فلما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقني أي أجاب سؤالي بجواب صدق وقول حق من غير مراعات ومدارات خلق وهذا من أساليب علاج أمراض النفوس قبل تمكنها ومداوات آفات القلوب قبل استفحالها بتوقيف النفس عند حدها وتعريفها بقدرها وقوله فلوددت أني لم أكن سألته أي أحببت وتمنيت أني لم أكن سألته حياء منه لظهور خطأ ظني بأني أحب الناس إليه وورد هذا الحديث مختصرا في الصحيحين ولفظ عن عمر بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل قال فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك قال عائشة فقلت من الرجال فقال أبوها قلت ثم من قال ثم عمر بن الخطاب فعد رجالا وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط وما قال لي لشيء صنعته لما صنعته ولا لشيء تركته لما تركته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا ولا مسست خزا ولا حريرا ولا شيئا كان ألينا من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شممت مسكا قط ولا عطرا كان أطيب من عرق النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يخبر أنس رضي الله عنه أنه خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين وهذا تمهيد لما سيقوله لأن الخدمة عشر سنوات تكشف للخادم بجلاء خلق مخدومه وقوله فما قال لي أف قط مع أنه لا بد أن يحصل تقصير وأخطاء ولا سيما معطوا للمدة ومع ذلك ما قال له النبي صلى الله عليه وسلم أف قط وما قال لشيء صنعته لما صنعته ولا لشيء تركته لما تركته أي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعاتبه في شيء صنعه ولا لشيء كان مأمورا به فتركه وهذا إنما يتعلق بالخدمة والآداب لا فيما يتعلق بالتكاليف الشرعية وفي هذا أيضا مدح لأنس رضي الله عنه فإنه لم يرتكب شيئا يتوجه إليه من النبي صلى الله عليه وسلم اعتراض مع طول هذه المدة وقوله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا هذا إجمال بعد تفصيل فكان صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا في أقواله وأفعاله وأدابه وتعاملاته وقوله ولا مسست خزا ولا حريرا ولا شيئا كان ألينا من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم الخز هو نوع من القماش مكون من حرير وغيره فكانت كفه صلى الله عليه وسلم لينا بل هي ألين من الخز والحرير وكل شيء لين مسه أنس رضي الله عنه وقوله كان أطيب من عرق النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان صلى الله عليه وسلم طيبا رائحة وهذا مما أكرمه الله سبحانه وتعالى به وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان عنده رجل به أثر صفرة قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يواجه أحدا بشئ يكره فلما قام قال للقوم لو قلتم له يدعو هذه الصفرة في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا به أثر صفرة قد تكون هذه الصفرة من الزعفران أو من غيره توضع على الثياب للزينة وقوله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدا بشئ يكره وهذا من كمال حسن خلقه صلى الله عليه وسلم فيأمر وينها وينصح ويعلم دون أن يواجه أحدا بشئ يكره إلا إذا اقتضت المصلحة وقوله فلما قام قال للقوم أي قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه الحاضرين في المجلس لو قلتم له يدعو هذه الصفرة أي يتركها فلم يواجه صلى الله عليه وسلم بذلك وإنما أمر بعض القوم أن ينبهوه وهذا الحديث ضعيف ولكن معناه صحيح ففي سنن أبي داوود عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل ما بال فلان يقول ولكن يقول صلى الله عليه وسلم ما بال أقوام يقولون كذا وكذا أي لم يصرح باسمه ولكن يقول ما بال أقوام يقولون كذا وكذا احترازا عن المواجهة بالمكروه مع حصول المقصود بدونه وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة ولكن يعفو ويصفح الفحش هو كلما خرج عن مقداره حتى يستقبح والمتفحش الذي يتعمد ذلك ويكثر منه ويتكلفه وفي هذا الحديث نفت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم تولي الفحش والتفوه به طبعا وتكلفا وقولها ولا صخابا في الأسواق أي صياحا وصراحا والصخاب هو الذي يرفع صوته وهو مذموم لا سيما في الأسواق التي هي مجمع الناس من كل جنس وقولها ولا يجزي بالسيئات السيئة أي إذا أساء إليه أحد لا يقابل سيئته بسيئة مماثلة لها مع أن ذلك مباح لقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها وقولها ولكن يعفو ويصفح أي أنه يعمل الأفضل والأكمل الذي هو العفو والصفح والعفو هو التجاوز عن المخطئ وعدم المعاقبة والصفح هو ترك الملامة وهو أبلغ من العفو وقد يعفو الإنسان ولا يصفح قال الله تعالى فعفو عنهم وصفح إن الله يحب المحسنين وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا ضرب خادما ولا امرأة في هذا الحديث تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئا قط أي لا آدميا ولا غيره إلا أن يجاهد في سبيل الله وليس المراد به الغزو مع الكفار فقط بل يدخل فيه الحدود والتعازير وغير ذلك وقولها ولا ضرب خادما ولا امرأة هذا تخصيص بعد تعميم لأنه داخل فيما قبله لكن خص الخادم والمرأة بالذكر اهتماما بشأنهما أو لكثرة وقوع الضرب عليهما في العادة فيندب العفو عنهما مخالفة لها والنفس وكظما للغيظ وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله شيئ فإذا انتهك من محارم الله تعالى شيئ كان من اشدهم في ذلك غضبا وما خير بين امرين الا اختار ايسرهما ما لم يكن مأثما في هذا الحديث تقول ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا اي منتقما من مظلمة ظلمها قط فما كان صلى الله عليه وسلم يغضب لنفسه أو ينتصر لنفسه وقولها ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيئ اي ما لم يرتكب مما حرمه الله تعالى على عباده فإذا انتهك من محارم الله تعالى شيئ كان من اشدهم في ذلك غضبا اي كان اشدهم غضبا لله تعالى ويدل هذا على انه تجب الغيرة والغضب والانكار اذا انتهكت محارم الله ولا يجوز السكوت عن ذلك وقولها ما خير بين امرين إلا اختار ايسرهما ما لم يكن اثما اي اذا خير صلى الله عليه وسلم بين امرين ليفعل احدهما فانه صلى الله عليه وسلم يختار الايسر منهما ما لم يكن من الامور التي توقع في الاسم فالامور التي توقع في الاسم كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحاشاها ويحذر منها وعن عائشة رضي الله عنها قالت استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا عنده فقال بئس ابن العشيرة او اخ العشيرة ثم اذن له فلما دخل ألان له القول فلما خرج قلت يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول فقال يا عائشة إن من شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه في هذا الحديث تقول عائشة رضي الله عنها استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا عنده قيل هذا الرجل هو عيينة ابن حصن ولم يكن اسلم حينئذ وإن كان قد أظهر الإسلام استأذن ليدخل على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته فقال النبي صلى الله عليه وسلم بئس ابن العشيرة او اخ العشيرة هي القبيلة أي بئس هذا الرجل من تلك القبيلة وفي هذا تنبيه إلى ما عند هذا الرجل من الفضاضة ثم أذن له أن يدخل فلما دخل ألان له القول أي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ يتحدث إليه بكلام لي تألفا له ولأمثاله على الإسلام وقولها قلت يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول كأنها تستغرب من حال الرجل التي وصف النبي صلى الله عليه وسلم ثم إلانت القول له ومقابلته بالبشاشة وطلاقة الوجه وحسن الترحيب فلما أسألته عن ذلك قال يا عائشة إن من أشر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه أي لأجل قبيح قوله وفعله فمثل هذا إذا قبل بغير اللين صدرت منه أمور عظيمة منكره فالأولى أن يقابل بالحسنى دفعا بالتي هي أحسن واتقاء لشره وعن محمد بن المنكدري قال سمعت جابر ابن عبد الله رضي الله عنه ما يقول ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا في هذا الحديث بيان كرم النبي صلى الله عليه وسلم فما سئل شيئا قط فقال لا أي لا أعطيه بل إما أن يعطي أو يعتذر ويدعو أو يعيد له فيما تمنى فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيما وكان لا يأتيه أحد إلا وعده وأنجز له إن كان عنده وأوقيمت الصلاة وجاءه أعرابي فأخذ بثوبه فقال إنما بقي من حاجتي يسيرة وأخاف أنساها فقام معه حتى فرغ من حاجته ثم أقبل فصلى وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حتى ينسرخ فيأتيه جبريل فيعرض عليه القرآن فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة في هذا الحديث بيان جود النبي صلى الله عليه وسلم وبذله وإنفاقه فقد كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير أي أكثر الناس جودا وعطاء بالخير وقوله وكان أجود ما يكون في شهر رمضان أي يكون أكثر جودا وعطاء في رمضان عن غيره من الشهور والأيام وذلك لفضل الزمان وقوله فيأتيه جبريل فيعرض عليه القرآن كان جبريل عليه السلام يأتي في رمضان فيعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن والعرض هو القراءة من الحفظ وهذا يتكرر في كل رمضان وهذا فيه أهمية عرض الحافظ حفظه على غيره لتثبيته لا سيما في رمضان شهر القرآن وفي رواية فيدارسه القرآن والمدارسة مفاعلة من الجانبين فأفاد أن كل منه آتارة يقرأ ويسمع الآخر وقوله فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة الريح تكون مرسلة بالخير وتكون مرسلة بالعذاب والمراد بالريح هنا أي التي أرسلها الله عز وجل بالخير وهو الغيث فإذا أرسلت به الريح عم الخير والمعنى المراد أنه صلى الله عليه وسلم في الجود أسرع منها وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يدخر شيئا لنفسه وذلك لسخائه وثقته بربه إلا أن يكون قوتا لأهله وولده فجاء عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه كان يدخر لأهله قوت سنتهم فعن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بن النظير ويحبس لأهله قوت سنتهم وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويثيب عليها في هذا الحديث بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ولا يردها وقبوله الهدية نوع من الكرم وباب من حسن الخلق يتألف به القلوب وقولها ويثيب عليها أي يعطي الذي يهدي له بدلها والمراد بالثواب المجازاة وأقله ما يساوي قيمة الهدية للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين