قصة ملكة سبا سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين إن الذي ينقل الأخبار إما أن يكون صادقا فيما نقل وإما أن يكون كاذبا وهنا يأتي دور متلق الخبر في التثبت مما يسمع فليس كل ما نسمع صحيحا فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من الناس من يحدث بكل ما سمع من غير تثبت وحذر من ذلك أشد التحذير فقال كفى بالمر كذبا أن يحدث بكل ما سمع رواه مسلم ولا بد أن نميز بين من عرف عنه الصدق ومن عرف عنه الكذب أو يتوقع منه الكذب فنصدق الأول ونأخذ حذرنا من النوع الثاني والثالث وفي قصة ملكة سبأ لما جاء الهدهد بخبر عبادتهم للشمس قال نبي الله سليمان عليه السلام سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين وهذا هو المطلوب من كل من ولاه الله مسؤولية على الناس أن يتعامل مع الأخبار التي تصله عنهم بعقل وحكمة فلا يلغي الخبر ولا يستعجل بتصديقه وبناء الأحكام عليه ولا يكذب المخبر بغير دليل قال أبو زهرة رحمه الله كان سليمان ملكا حكيما لا يجعل علمه فيما يقضي فيه من سمعه فقط فإن ذلك أضل الملوك وهو الذي يوصف بأنه أذن فتكون الحاشية وليه الذي يسيطر عليه ولذا قال للهدهد سننظر أي أننا نؤكد أننا سننظر في حقيقة ما جئت به إلينا أصدقت أم كنت من الكاذبين ولا ينبغي لناقل الخبر أن يغضب إذا قيل له نحتاج أن نتثبت من صحة ما قلت لأن السامع مأمور بذلك وخاصة إذا كان في موقع المسؤولية ويترتب على الخبر عملٌ ما أو حكمٌ على الناس أو غير ذلك وفي هذا التصرف فوائد عدة منها أن ناقل الخبر يتربى على الدقة في نقل الأخبار والتثبت منها ومنها أن الناس يتعرفون على الصادق من الكاذب في نقل الأخبار ومنها أن يتأن الناس في نقل الأخبار ولا يستعجلون بالتحدث بكل ما يصل إلى أسماعهم إذا علموا أنهم سيحاسبون على ما نقلوه ومنها قطعوا الطريق على الوشات والمغردين والمفسدين في الأرض الحاقدين على الناس ومنها إبراز النموذج الصالح في التثبت من الأخبار وعدم مجاملة ناقل الأخبار إن الإجراء الذي اتخذه نبي الله سليمان عليه السلام للتثبت من الخبر هو مراسلة ملكة سباء ودعوتهم إلى الإسلام وأمر الهدهد بأن يأخذ الرسالة بنفسه إليها ويرجع بالخبر فقال للهدهد اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تولى عنهم فانظر ماذا يرجعون وهذا أدب جميل في التثبت من الأخبار فإن الذي جاء بالخبر هو الهدهد ونبي الله سليمان عليه السلام لم يصدقه ولم يكذبه وأعلمه أنه سيتثبت مما قاله فاختبره بنقل الرسالة ليعلم مدى صدقه من كذبه فيما قال وفي هذا فائدة وهي أن من جاءنا بخبر نشك في صحته وطالبه أن يبرهن على صحة ما نقل إلينا بالطريقة التي نراها مناسبة لنوع الخبر المنقل واستخدام نبي الله سليمان عليه السلام لأسلوب الرسالة فيه فائدة لنا في التحقق من الأخبار بإرسال رسالة نستوضح فيها الموضوع قبل إثباته أو نفيه وقد استخدم نبي الله سليمان عليه السلام في حمل الرسالة وإيصالها وهذه وسيلة سريعة في ذلك الزمان وأراد بذلك أن يعلم جنده تحمل مسؤولية ما يأتون به من الأخبار واليوم يمتلك الناس وسائل تواصل تشبه في سرعتها سرعة وصول عرش ملكة سبأ من اليمن إلى مملكة سليمان عليه السلام وهي أن ترسل الرسالة عبر وسائل التواصل الحديثة وعبر الشبكة العنكبوتية وتصل إلى أقصى الأرض في طرفة عين هذه النعمة التي أنعم الله بها على الناس في هذا الزمان ينبغي أن تستغل بما يرضي الله وبما ينفع الناس ولا يضرهم وهي من أكبر وسائل نقل الأخبار اليوم كما أنها تنقل الغث والسمين والصدق والكذب فلا يصح الاعتماد عليها في تصديق الأخبار من غير تثبت فكيف إذا كانت تستخدم ابتداء في نشر الأخبار الكاذبة وفي الحرب النفسية والإعلامية لإضعاف نفوس المسلمين ولتكوين رأي عام مخالف لشرع الله فهنا يجب على المسلم أن يتثبت من الخبر قبل نشره وخاصة ما كان منه ويترك أثرا سيئا في نفوس المسلمين أو يقدح في أعراض المسلمين أو يطعن في علماء المسلمين وخاصتهم قال تعالى وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أداعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم فلعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتتبعتم الشيطان إلا قليلا قال ابن كثير رحمه الله وقوله وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أداعوا به إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها وقد لا يكون لها صحة وقال السعدي رحمه الله هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمر وسرور المؤمنين أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطاً للمؤمنين وسروراً لهم وتحرزاً من أعدائهم فعلوا ذلك وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوا ولهذا قال لعلمه الذين يستنبطونه منهم أي يستخرجونه بفكرهم وأرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولى من هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله ولا يتقدم بين أيديهم فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطى وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه هل هو مصلحة فيقدم عليه الإنسان أم لا فيحجم عنه ثم قال تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته أي في توفيقكم وتأديبكم وتعليمكم ما لم تكون تعلمون لاتتبعتم الشيطان إلا قليلا لأن الإنسان بطبعه ظالم جاهل فلا تأمره نفسه إلا بالشر فإذا لجأ إلى ربه واعتصم به واجتهد في ذلك لطف به ربه ووفقه لكل خير وعصمه من الشيطان الرجيم فاتثبتي أخت الكريمة مما تسمعين في مجالس النساء وتريثي فيما تنقلين فإن الناس قد ضربوا بالمرأة المثل في سرعة نشرها للخبر من غير تثبت ولا تريث وهذا قد يوقعك في الإثم وأنت لا تشعرين نسأل الله أن يعصمنا من الشيطان الرجيم ولكن كيف استقبلت ملكة سبأ رسالة نبي الله سليمان وما هو موقف قومها من الرسالة نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين قصة ملكة سبأ مع نبي الله سليمان عليه السلام