بسم الله الرحمن الرحيم أصناف الرجال في حديث أم زرع زوجي لحم جمل غث بعد أن جلس النسوة وتعاهدنا على الصدق في الحديث عن أزواجه وأن لا يكتمن شيئا قالت الأولى زوجي لحم جمل غث على رأس جبل لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل هذه الزوجة تذم زوجها بعدة صفات قبيحة وتشبهه بلحم الجمل الفاسد وهو مع فساده موضوع على أعلى الجبل والجبل وعر فمن سيطمع في لحم هزيل فاسد يصعب الوصول إليه ونقله من مكانه لا يساو التعب الذي يبذل فيه لأنه هزيل فاسد قال أبو عبيد الهروي رحمه الله تصف قلة خيره وبعده مع القلة كالشيء في قلة الجبل الصعب لا ينال إلا بالمشقة وقلة خيره تعني البخل وهي صفة ذميمة في الرجال خاصة قال القاضي عياض رحمه الله وصفت هذه المرأة زوجها بالبخل وقلة الخير وبعده من أن ينال خيره مع قلته كاللحم الهزيل أو الفاسد المنت الذي يزهد فيه فلا يطلب فكيف إذا كان في رأس جبل صعب وعر أو قوز رمل دهس لا يمكن المشي فيه ولا ينال إلا بمشقه والبخل صفة مذمومة جدا بين الناس فالبخيل يمنع أمواله عن من يستحقونها أو تجب لهم وأكثر من يتضرر بالبخل هي الزوجة لأن البخيل يمنعها حقها من النفقة وهو ضرر مستمر ما دامت على ذمته لذلك قال بشر بن الحارث الحافي رحمه الله لا تزوج البخيل ولا تعامل وهذه نصيحة غالية من عالم جليل لكل امرأة مقبلة على الزواج لا توافق على البخيل فالبخيل ليس له خليل إلا المال فالبخيل لا يصلح أن يكون زوجة ولا أن يترأس الناس فقد جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سيدكم يا بني سلمة قلنا جد بن قيس على أن نبخله قال وأي داء أدوى من البخل بل سيدكم عمر بن الجموح رواه البخاري في الأدب المفرد فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل أن يترأس الناس الرجل البخيل ووصف البخل بأنه أشد الأمراض فتكاً بأخلاق الإنسان قال الماوردي رحمه الله وقد يحدث عن البخل من الأخلاق المذمومة وإن كانت ذريعة إلى كل مذمة أربعة أخلاق ناهيك بها ذما وهي الحرص والشرة وسوء الظن ومنع الحقوق ثم قال رحمه الله وأما منع الحقوق فإن نفس البخيل لا تسمح بفراق محبوبها ولا تنقاد إلى ترك مطلوبها فلا تذعن لحق ولا تجيب إلى إنصاف وأذا آل البخيل إلى ما وصفنا من هذه الأخلاق المذمومة والشيام اللئيمة لم يبق معه خير مرجو ولا صلاح مأمول والبخيل قليل العقل سيء التدبير محروم من خير الدنيا ضيق النفس يكره الضيوف ويكره مجالسة الناس ضعيف الإيمان سيء الظن بربه اجتمعت فيه صفات مذمومة متولدة من البخل فهذه صفة واحدة من الصفات التي أشارت إليها المرأة الأولى بقولها زوجي لحم جمل غث على رأس جبل لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل وقد فهم بعض العلماء صفات أخرى تشير إليها هذه المرأة بهذا الوصف البليغ قال الخطابي رحمه الله تصف قلة خيره وبعده مع القلة كالشيء في قلة الجبل الصعب لا ينال إلا بالمشقة قلت معنى البعد في هذا أن يكون قد وصفته بسوء الخلق والترفع بنفسه والذهاب بها تيها وكبرا تريد أنه مع قلة خيره ونزارته يتكبر على العشيرة وينآ بجانبه فيجمع إلى منع الرفد الأذاى وسوء الخلق فهو بخير ومتكبر على الناس وهذه آفة كبيرة جدا قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس رواه مسلم ومن عجيب أمر هذا الحديث أن الرجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن وصف لا يكون في البخلاء أبدا وهو العناية بثيابهم وسمتهم ورائحتهم فالبخير الذي يجمع بين البخل والكبر من أسوأ الناس لا بماله انتفع ولا بمصاحبته للناس لأنه يحتقرهم ويزدريهم وهذا هو الكبر حرم نفسه من نعيم الدنيا ونعيم الآخرة وعذب نفسه في الدنيا وباحتقاره الناس يعذبها في الآخرة ومن جميل الكلام في وصف نفسية هذا الزوج البخير المتكبر ما نقله السيوطي رحمه الله عن الشاذري في تأمله لهذا الحديث حيث قال الأولى هي النفس المستكبرة المصروفة المنكرة التي غلبت بوهمها على همة قوم فجاءوا ظلما وزورا واستكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا وهذه أصعب النفوس المتلونة قيادا وأبعدها حضورا وأعظمها عنادا وأشدها نفورا تصول صولة أهل الدولة والرياش وتتهافت على الرذائل تهافت الفراش وتقول بلسان الدعاوي أنا الشمس والقمر فإذا بدى ما عندها من المساوي عسعس الغيهب واعتكر فشتان بين سوء المخبر وحسن الخبر وتتشبه بزخار في الأقوال لأحوال أهل المشاهد وريش الطواويس لا يلتبس بشوك القنافذ وصاحب هذه النفس إذا لوحظ بعين الإمداد وجذبته العناية بأزمة السداد أهزل من أنفتها ما كان سمينا وحقر من افتخارها ما كان ثمينا وأفردها من الرياضة في جبل صعب المسالك بعيد الذرى والمدارك ليس لعشاق الرياسة له من سبيل ولا للهمم الدنية عليه تعويل فإذا ذلت نفسه لغير الحق ودالت كان كما أخبرت وقالت زوجي لحم جمل غث على رأس جبل وعث قد أهزل حمل أعباء التواضع شحم كبره وذاب فخ عظم تعاظمه بنور ذكره وسكن من جبل الرياضة والخمول في ذروة يصعب إليها الوصول لا الجبل سهل فيرتقى ولا اللحم سمين فينتقى والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ماذا تفعل الزوجة إذا ابتليت بمثل هذا الزوج قد وقعت هذه المسألة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأفتا فيها بما يشفي الصدور ويعالج الأمور ويرفع الحرج عن المرأة في تعاملها مع هذا البخيل الشحيح فعن عائشة رضي الله عنها قالت دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله فقالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك من جناح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك رواه مسلم قال ابن عبدالبر رحمه الله فأمرها أن تعاقبه بأخذ مالها من حق عنده فأجاز لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من ماله بغير علمه ما يكفيها وولدها وقيد ذلك بالمعروف فلا تسرف في الأخذ من أمواله ولا تأخذ أكثر من حاجتها الأساسية والبخل صفة مذمومة قابلة للتغيير فالنصيحة للزوج البخيل أن يسعى في تغيير هذه الصفة بتصنع الكرم والإكثار من الإنفاق في الصداقات العامة وغيرها مع الإلحاح على الله في إبعاد هذه الصفة عن النفس والتحلي بمكارم الأخلاق عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يُعطه ومن يتق الشر يوقه رواه الطبراني في الأوسط وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ دبر الصلوات بهؤلاء الكلمات اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل رواه البخاري فالبخل ليس من شِيَم الأنبياء ولا الصالحين فالمؤمن جواد كريم والجبن والبخل من الصفات السيئات التي لا تليق بالمؤمن وينبغي له أن يكثر من الاستعاذة بالله منها أخي الزوج تصنع الكرم حتى تصبح كريما وتحر الخير تنله وبتعد عن الشر يبعدك الله عنه نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين