بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ مَرْكَزُ إِفَادَةٍ للدِّراساتِ والبُحُوثِ الإِنسانِيَّةِ يُقَدِّمُ مُخْتَصَرَ صَحِيحِ البُخَارِيِّ بَابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمْ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل منفقها في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلته به التعليق على الحديث الغيث أي المطر نقية أي طيبة الكلأ يقع على الرطب واليابس من النبات أجادب الأجادب هي صلاب الأرض التي تمسك الماء وسقوا أي تناول الماء للشرب طائفة أخرى أي قطعة أخرى قيعان هي الأرض المستوية الملسى التي لا نبات فيها فذلك مثل أي هذا المثل جامع لمراتب الفقهاء والمتفقهين والممدوح منها مرتبتان من فوائد الحديث أولا فضل منفقها في نفسه وكان قلبه نقي من الشكوك فعلم ما يحمله وعلمه الناس ثانيا ومن حمل العلم وبلغه للناس فأمره محمود وإن لم يكن من أهل الفقه ثالثا ذم من سمع العلم فلم يحفظه ولم يعه فلم ينتفع ولم ينفع غيره باب رفع العلم وظهور الجهل عن أنس رضي الله عنه قال لو حدثنكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحدثكم به أحد غيري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويكثر الجهل ويكثر الزنا ويكثر شرب الخمر ويقل الرجال ويكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد التعليق على الحديث باب رفع العلم وظهور الجهل أي من أشراط الساعة أي من علامات يوم القيامة يرفع العلم أي يقبض العلم ويقل بموت العلماء ويكثر الجهل أي يفشو وينتشر ويقل الرجال قلة الرجال بكثرة القتل القيم أي القائم بأمر غيره ومصالحه من فوائد الحديث أولا الأمور الخمسة المذكورة تشعر باخترال الضرورات الخمس الدين والعقل والنسب والنفس والمال باب فضل العلم عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينا أنا نائم أتيت بقدح لبا فشربت حتى إني لأر الري يخرج في أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر ابن الخطاب قال فما أولته يا رسول الله قال العلم التعليق على الحديث بقدح أي الآنية المعروفة وهي قدر ما يروي رجلين أو ثلاثة أعطيت فضلي أي ما بقي في القدح من اللبن فما أولته التأويل التعبير من فوائد الحديث يستفاد من الحديث تفسير اللبن بالعلم لاشتراكهما في كثرة النفع بهما وبيان فضل طلب العلم وبيان فضل عمر رضي الله عنه باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها عن عبدالله بن عمر بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاءه رجل فقال لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال إذبح ولا حرج فجاء آخر فقال لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي قال إرمي ولا حرج فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال إفعل ولا حرج التعليق على الحديث الفتيا هي الجواب في الحادثة لم أشعر أي لم أفطن فحلقت أي يوم النحر ولا حرج الحرج هنا الإثم أي لا إثم عليك فيما فعلت أن أرمي أي جمرة العقبة قدم ولا أخر أي من الأعمال في يوم النحر إلا قال إفعل ولا حرج لأنه لم يترك أعيان تلك المناسك وإنما ترك الترتيب باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم زرت قبل أن أرمي قال لا حرج قال حلقت قبل أن أذبح في رواية فأومأ بيده قال لا حرج قال ذبحت قبل أن أرمي قال لا حرج في رواية رميت بعدما أمسيت فقال لا حرج التعليق على الحديث زرت أي طفت طواف الزيارة وهو طواف الإفاضة فأومأ بيده أي أشار بيده إشارة مفهمة ذبحت قبل أن أرمي أي نحرت يوم النحر قبل رمي جمرة العقبة من فوائد الحديث يستفاد من الحديثين السابقين جواز سؤال العالم وإن كان مشتغلا بأمر آخر والرجوع للعلماء في النوازل وأن وظائف يوم النحر أربعة أشياء رمي جمرة العقبة ثم النحر ثم الحلق ثم طواف الإفاضة فإن خالف الترتيب صحة ولا شيء عليه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله وحتى يقبض العلم في رواية ويظهر الجهل وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان في رواية وينقص العمل ويلقى الشح وتظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا أرب لي به وحتى يتطاول الناس في البنيان وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه وحتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس يعني آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ولتقوم النساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقوم النساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ولتقوم النساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه ولتقوم النساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها التعليق على الحديث فئتان أي جماعتان بينهما مقتلة عظيمة أي يتقاتلون قتالا عظيمة دعوتهما واحدة أي يدعيان الإسلام ويتأول كل منهما أنه محق دجالون أي كذابون يخلطون بين الحق والباطل يقبض العلم المراد يرفع العلم بموت العلماء ويتقارب الزمان أي قرب يوم القيامة وقيل غير ذلك وتظهر الفتن أي تكثر الفتن وتنتشر يكثر فيكم المال فيفيض أي يكثر حتى يسيل كالوادي يهم أي يحزنه ويهتم له لا أرب لي به أي لا حاجة لي به حتى يتطاول الناس في البنيان المراد أن أهل الحاجة والفاقة تبسط لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما يفجأ الناس حتى لا يتم أحد ما يبدأه من نشره الثوبة فلا يطوى لقحته اللقحة الناقة القريبة العهد بالولادة والمراد الناقة الحلوب يليط حوضه أي يطينه ويصلحه أكلته أي لقمته من فوائد الحديث الحديث من أعلام النبوة وكل ما جاء فيه من أشراط الساعة فحق وستظهر يقينا ويستفاد من الحديث أن الساعة تأخذ الناس بغتة تأتيهم وهم في أشغالهم فلا تمهلهم أن يتموها وإذا تيقن الرجل مجيئ القيامة بطلوع الشمس من مغربها فآمن لم يكن إيمانه إيمانا بالغيب فلا يقبل منه وفي الحديث إشارة إلى ثلاثة أحوال متعلقة بالمال الأولى كثرة المال فقط وقد كان ذلك في زمن الصحابة والثانية الإشارة إلى كثرته واستغناء كل أحد عن أخذ مال غيره وكان ذلك في آخر عصر الصحابة والحالة الثالثة الإشارة إلى فيضه وحصول الاستغناء حتى لا يجد صاحب المال من يقبل صدقته وهذا في زمن عيسى عليه السلام عن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت دخلت على عائشة رضي الله عنها والناس يصلون قلت ما شأن الناس فأشارت برأسها إلى السماء في رواية وإذا هي قائمة تصلي فقلت ما للناس فأشارت بيدها إلى السماء وقالت سبحان الله فقلت آية فأشارت برأسها أي نعم قالت فأطال رسول الله صلى الله عليه وسلم جدا تجلان الغش وإلى جنبي قربة فيها ماء ففتحتها فجعلت أصب منها على رأسي فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تجلت الشمس فخطب الناس وحمد الله بما هو أهله ثم قال أما بعد قالت ولغط نسوة من الأنصار فانكفأت إليهن لأسكتهن فقلت لعائشة ما قال قالت قال ما من شيء لم أكن أريته إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار وإنه قد أوحي إليا أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريب من فتنة المسيح الدجال يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو قال الموقن فيقول هو رسول الله هو محمد صلى الله عليه وسلم جاءنا بالبينات والهدى فآمنا وأجبنا واتبعنا وصدقنا فيقال له نم صالحا قد كنا نعلم إن كنت لتؤمن به وأما المنافق أو قال المرتاب فيقال له ما علمك بهذا الرجل فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلت التعليق على الحديث ما شأن الناس أي ما حالهم قائمين فزعين آية أي علامة وهي كسوف الشمس حتى تجلان الغش أي علاني طرف من الإغماء وذلك لطول القيام وكثرة الحر تجلت الشمس أي انكشفت ولغط اللغط الأصوات المختلفة التي لا تفهم فانكفأت إليهن أي ملت بوجهي ورجعت إليهن تفتنون أي تمتحنون فتنة المسيح الدجال الدجال مسيح الضلالة يؤتى أحدكم أي في القبر فيقال له ما علمك بهذا الرجل إنما قال الملكان ذلك ولم يقول رسول الله رسول الله امتحاناً وإغراباً عليه لألا يتلقن منهما جاءنا بالبينات أي بالمعجزات الدالة على نبوته والهدى أي الدلالة الموصلة إلى البغية والإرشاد إلى الطريق الحق الواضح وأجبنا أي علمنا واتبعنا فالإجابة تتعلق بالعلم والاتباع بالعمل نم صالحا أي لا خوف عليك مما يخوف به الكفار من العرض على النار أو غيره من عذاب القبر المرتاب أي الشاك من فوائد الحديث يستفاد من هذا الحديث امتناع الكلام في الصلاة وجواز الإشارة والعمل القليل فيها وأن الغشية الخفيف لا ينقض الطهارة وأن تفكر المصلي ونظره إلى قبلته في صلاته جائز وفي الحديث دليل على طول القيام في صلاة الكسوف وأن الجنة والنار مخلوقتان الآن وهو مذهب أهل السنة وفي الحديث دلالة على إثبات عذاب القبر وفيه سؤال الملكين في القبر ويستفاد من الحديث أيضا أن من يرتاب في تصديق النبي صلى الله عليه وسلم أو شك في صحة رسالته فلا يصح إيمانه وفي الحديث ذم التقليد وأن المقلد لا يستحق اسم العلم التام على الحقيقة باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز فأتت همرأة فقالت قد أرضعت عقبة والتي تزوج فقال لها عقبة ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني فأرسل إلى آل أبي إهاب يسألهم فقالوا ما علمنا أرضعت صاحبتنا فركب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف وقد قيل ففارقها ونكحت زوجا غيره التعليق على الحديث باب الرحلة في المسألة النازلة الرحلة أي السفر لحاجة النازلة أي الحادثة التي وقعت وبحاجة لبيان الحكم الشرعي فيها تزوج ابنة لأبي إهاب اسمها غنية من فوائد الحديث يستفاد من الحديث من أخذ بشهادة المرضعة وحدها أخذ بظاهر الحديث ومن منع حمله على الورع دون التحريم ويستفاد من الحديث أيضا الإرشاد إلى الرحلة في طلب العلم وبيان حرص الصحابة على العلم وأيثارهم ما يقربهم من الله تعالى والإزدياد من طاعته لأنهم إنما كانوا يربون في العلم للعمل به ولذلك شهد الله تعالى لهم أنهم خير أمة أخرجت للناس ويستفاد أيضا أن الواجب على المر أن يجتنب مواقف التهم وإن كان نقي الذيل بريء الساحة وعليه الاحتياط في باب النكاح والرجوع إلى أهل العلم في النوازل وإن بعدت ديارهم