أمنا عائشة رضي الله عنها يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك الحياة فطرة فطر الله عليها المرأة وهو من أجمل صفاتها ولكنه صفة قابلة للتغيير والتبديل فإذا ربيت الفتاة من الصغر على الحياة في لباسها وحركاتها وتعاملها مع الناس نمت الفطرة بشكل سليم وإن غيرت الفطرة وقتلت في الصغر ما تشعور بالحياة عند الكبر وسهل عليها أن تفعل ما تشاء وفي موقف من مواقف تربية النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها تتجلى لنا بشكل عفوي غير متكلف الفطرة السليمة التي نشأت عليها عائشة رضي الله عنها تخبر عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ذات يوم إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة عرات غرلا قالت عائشة يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض قال يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك رواه البخاري يصف النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حال الناس يوم القيامة وأنهم يحشرون كما ولدتهم أمهاتهم عراتا حفاة غير مختونين وهذا من أهوال يوم القيامة فكانت ردة فعل عائشة رضي الله عنها في جانب آخر غير الموضوع الذي يتحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم إذ تحرك الحياة في نفسها من صورة العراء فسألت النبي صلى الله عليه وسلم مستنكرة الرجال والنساء ينظر بعضهم لبعض إن استنكار عائشة رضي الله عنها نابع من التربية القرآنية والنبوية التي تربت عليها في موضوع اللباس والزينة وستر العرات فقد تربت على قول الله تعالى يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا واري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون قال محمد رشيد رضا رحمه الله خاطب الله تعالى بني آدم في هذه الآية وأمثالها بالنداء الذي يخاطب به البعيد لما كان عليه عربهم وعجمهم عند نزول هذه السورة في مكة من البعد عن الفطرة السليمة والشرعة القويمة تنبيها للأذهان بما يقرع الآذان فامتن عليهم بعد أن أنبأهم بما كان من عري سلفهم الأول بما أنعم به عليهم من اللباس على اختلاف درجاته وأنواعه من الأدنى الذي يستر السوءة عن أعين الناس إلى أنواع الحلل التي تشبه ريش الطير في وقاية البدن من الحر والبرد بستر جميع البدن وما في ذلك من أنواع الزينة والجمال اللائقة بجميع ذكران البشر وأناثهم على اختلاف أسنانهم وأحوالهم فإذا كان اللباس جمالا يتزين به الناس فالعري قبح عند النفوس السليمة كما تربت عائشة رضي الله عنها على قوله تعالى وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى قال سيد قطب رحمه الله ولقد كانت المرأة في الجاهلية تتبرج ولكن جميع الصور التي تروى عن تبرج الجاهلية الأولى تبدو ساذجة أو محتشمة حين تقاس إلى تبرج أيامنا هذه في جاهليتنا الحاضرة قال مجاهد كانت المرأة تخرج تمشي بين الرجال فذلك تبرج الجاهلية وقال قتادة وكانت لهن مشية تكسر وتغنج فنهى الله تعالى عن ذلك وقال مقاتل ابن حيان والتبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده ويداري قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله منها وذلك التبرج إن المرأة لا تكشف عن شيء من جسدها أمام الرجال الأجانب إلا إذا قتلت جزءا من الحياة في نفسها وبقدر ما تتعر المرأة أمام الرجال بقدر ما يذهب ماء الحياة من وجهها كما تربت عائشة رضي الله عنها على قاعدة الحياة المرتبطة بأفعال الإنسان وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت رواه أحمد إن النصوص الشرعية التي تربت عليها عائشة رضي الله عنها بنت في نفسها هذا الحياة العظيم والذي شغلها عن موضوع أهوال يوم القيامة لتسأل عن المركوز في فطرتها وهو قبح التعري أمام الناس إن إبراز المرأة لمفاتنها وتعريها هو شهوة من شهوات النفس إلا أن النساء يتفاوتن في طريقة التعري بحسب تفاوتهن في الإيمان فمنهن من لا تتعرى إلا لزوجها فهذه المؤمنة ومنهن من تتعرى في التجمعات النسائية بحجة أنها مع النساء وأن المرأة لا تستحي من المرأة ومنهن من تتعرى في كل مكان وأمام كل الناس فهي كقطعة لحم معروضة في السوق أمام الذئاب البشرية قد مات الحياة والإحساس عندها وبين هذه الأصناف درجات متفاوتة من التعري بحسب حياء كل امرأة ولكن لماذا لا يلتفت الرجال للنساء في المحشر مع أنهن عاريات تماما كما خلقهن الله والعكس كذلك والجواب على هذا السؤال نجده في رد النبي صلى الله عليه وسلم على سؤال عائشة رضي الله عنها لما قال يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك إن الذي شغل الرجال والنساء عن النظر لبعضهم مع أنهم عراه هو شدة هول الموقف في ذلك اليوم والذي يجعل الإنسان لا ينظر لما حوله ولا يشغله شيء عن ما هو فيه من الشدة والهول والفزع قال تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وتر الناس سكارا وتر الناس سكارا وما هم بسكارا ولكن عذاب الله شديد وقال سبحانه كل نفس بما كسبت رهينه هذا الذي يشغل الناس في ذلك اليوم حصاد أعمالهم وإذا تذكرنا أن الجزاء من جنس العمل فإن العارية في الدنيا عارية يوم القيامة لقول النبي صلى الله عليه وسلم سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن أي قضوا صواحبات الحجر فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة رواه البخاري وقد فسر العلماء الكاسية في هذا الحديث بعدة تفسيرات منها أنها التي تلبس الملابس التي تصف جسدها كأنها عارية وهي التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر بقوله صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا رواه مسلم فإذا كان هذا حال من تلبس الملابس في الدنيا ولكنها لا تسترها إما لأنها شفافة أو لأنها تفصل الجسد فكيف سيكون حال العارية إن استنكار عائشة لهذا الموقف يعطينا إشارة إلى أن المرأة الحيية لا تقبل مثل هذه المشاهد ولا تسكت عن إنكارها لقول النبي صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان فلا تترك أخت المسلمة النصح والإنكار على العاريات أو الكاسيات العاريات فلعل الله أن ينقذ هن بك من النار وفي قيامك بإنكار المنكر حياة لقلبك وزيادة إيمانه ونماء للحياة فيه نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين أمنا عائشة رضي الله عنها