أمنا عائشة رضي الله عنها يا عائشة من أعطاك عطاء بغير مسألة فاقبليه عائشة أم المؤمنين ثمرة من ثمار تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأهل بيته فمن أراد أن يربي أهل بيته فلا يستغني عن دراسة هذا النموذج الذي تربى على يد النبي صلى الله عليه وسلم وكان مما تربت عليه عائشة رضي الله عنها الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل وهي مسألة يتغلب فيها الإيمان علىها والنفس ومن الحوادث التي تجلت فيها هذه المسألة أن عبدالله بن عامر بعث إلى عائشة بنفقة وكسوة فقالت للرسول إني يا بني لا أقبل من أحد شيئا فلما خرج قالت ردوه علي فردوه فقالت إني ذكرت شيئا قاله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا عائشة من أعطاك عطاء بغير مسألة فاقبليه فإنما هو رزق عرضه الله لك رواه أحمد لا تحب النفوس أن تظهر بمظهر المخطئ بل تحب أن تظهر بمظهر من رأيه صواب دائما وهذه آفة في النفس مبنية على الهوى فالنفس تعرف أنها على الباطل ولكنه الجحود الذي يسيطر عليها فترفض الرجوع إلى الحق وتصر على الباطل قال تعالى وَجَحَدُوا بِهَا وَاستَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا إن الإيمان وحده هو الذي يصلح هذه النفوس ويجعلها تستسلم للحق إذا ظهر لها أما أصحاب القلوب المريضة وأهل النفاق فإنهم لا يقبلون الحق إلا إذا كان في صالحهم قال تعالى عن الفريقين ويقولون آمنا بالله وبالرشول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ونحسب أن عائشة رضي الله عنها من الفريق الثاني الذي إذا ظهر لها الحق تراجعت عن رأيها والتزمت الحق وما هذه القصة إلا نموذج من هذه المواقف الدالة على هذا الخلق الذي رباها عليه النبي صلى الله عليه وسلم إن توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها بقوله يا عائشة من أعطاك عطاء بغير مسألة فقبليه إنما هو رزق عرضه الله لك يشمل التربية على عدة جوانب الأول حرمة المسألة وهي أن يطلب الإنسان المال أو الصدقة من الآخرين وهو غير مستحق لها وآفة هذه المسألة أن صاحبها ينظر إلى ما في أيدي الناس ويركن إليه ويغفل عن من بيده خزائن السماوات والأرض فلا يرجع إليه ويطلب منه الرزق وهذا الصنف من الناس يسهل شراء ذمته من قبل الظلمة فهو عبد للمال وهو سريع التقلب في المواقف والآراء بحسب ما يصل إليه من المال ومن يدفع له أكثر يميل إليه أكثر فهذه نفس ذليلة لا تنفع في رفعة الأمة ونصرة قضاياها نعوذ بالله من هذا الصنف الثاني أن العطية إذا جاءت من غير طلب ولا إشراف نفس لا ترد ولو كان الإنسان غنيا وقد رب النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على ذلك ورب الصحابة من بعدهم على ذلك عن عبد الله بن السعدي أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر رضي الله عنه ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالا فإذا أعطيت العمالة كرهتها فقلت بلى فقال عمر فما تريد إلى ذلك قلت إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين قال عمر لا تفعل فإني كنت أردت الذي أرد فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول أعطيه أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة مالا فقلت أعطيه أفقر إليه مني فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذه فتموله وتصدق به فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك رواه البخاري إن هذه القصة وغيرها تدلنا على مدهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتزكية نفوس الصحابة فالنفس العزيزة لا تنظر إلى ما في أيدي الناس ولا تتعب نفسها بالتطلع إلى أموالهم لأنها غنية بالله ومن كان كذلك بارك الله له فيما يملك وزاده من فضله الثالث أن الله عز وجل يرزق من يشاء وليس لوصول رزقه إلى العبد صورة معينة لا يتعداها وإنما كما ذكر الله سبحانه وتعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب والعطية من غير طلب هي من رزق الله للعبد ولا يليق بالعبد أن يرد رزق الله له نسأل الله أن يرزقنا من واسع فضله وأن يملأ صدورنا غناة وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ونكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين أمنا عائشة رضي الله عنها