قصص الأنبياء، قصص الأنبياء عليهم السلام صلاة الله عقبها سلام على خير الخلائق أجمعين أولو أزمين مقامهم رفيع قصة عيسى عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد قال الله تعالى إن الله افطف آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ريةا بعضها من بعض والله سميع عليم قال ابن كثير يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرب فاصطف آدم عليه السلام خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكة وعلمه أسماء كل شيء وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة واصطف نوحا عليه السلام واجعله أول رسول إلى أهل الأرض لما عبد الناس الأوثان وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطانا وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا سرا وجهارا فلم يزدهم ذلك إلا فرارا فدعى عليهم فأغرقهم الله عن آخرهم ولم ينجو منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به واصطف آل إبراهيم ومنهم سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم واصطف آل عمران والمراد بعمران هذا هو والد مريم بنت عمران أم عيس بن مريم عليهم السلام انتهى كلامه في زمن نبي الله زكريا عليه السلام كان هناك رجل من اتباعه يدعى عمران بن ماثام وكان عمران هذا صاحب صلاة بني إسرائيل في زمنه عرف بالصلاح والعبادة والخير حتى عظم شأنه في بني إسرائيل وافق ان تزوج زكريا وعمران عليهم السلام أختين فكانت الشاع بنت قافوذة أم يحيا عند زكريا عليه السلام وكانت حنة بنت قافوذة أم مريم عند عمران عليه السلام وكانت حنة زوجة صالحة طيبة طاهرة خيرة تقية وفية مطيعة لزوجها ومطيعة لربها وكان الله قد أمسك عنها الولدا حتى أسنت وكانوا أهل بيت من الله بمكان فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخا له فتحركت بذلك نفسها للولد فدعت الله أن يهب لها ولدا وقالت اللهم لك علي إن رزقتني ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه فاستجاب الله دعاءها فلما حملت فرحت أشد الفرح وقالت يا رب إني نذرت لك ما في بطني محررا لخدمة بيتك المقدس مخلصا لعبادتك متفرغا لطاعتك فتقبل مني هذا النذر الخالص وكان هذا النذر ملزما في شريعتهم فكان المحرر عندهم يبقى في الكنيسة يخدمها ولا يزال مقيما فيها حتى يبلغ الحلم ثم يخير فإن أحب ذهب حيث شاء وإن شاء أقام في الكنيسة يخدمها ولم يكن يحرر إلا الغلمان ولا تصلح الجارية لخدمة بيت المقدس لما يصيبها من الحيض والأذى كانت حنة زوجة عمران تأمل أن يكون ما في بطنها ذكرا لتوفي بنذرها فلما وضعت حملها فإذا بالمولود أنثى فأسقط في يدها وقالت منكسرة رب إني وضعتها أنثى وربها أعلم بما وضعت فهو المقدر والقدير ثم قالت على سبيل التحسر والحزن والاعتذار وليس الذكر كالأنثى أي في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها لعورتها وضعفها وما يعتريها من الحيض والنفاس وإني يا ربي سميتها مريم ومريم بلغتهم أي العابدة والخادمة وإني أعيدها وأجيرها بك وأولادها من الشيطان الرجيم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من مسه إيا إلا مريم وبنها ثم قال أبو هريرة إقرأوا إن شئتم وإني أعيدها بك وذريتها من الشيطان الرجيم تقبل الله نذر المرأة الصالحة حنة بقبول حسن إقرأ مريم المولودة نشأة حسنة وعطف عليها قلوب الصالحين من عباده وجعل كفالتها إلى زكريا عليه السلام وذلك لأن والدها عمران قد توفي وهي في بطن أمها فجاءت بها أمها إلى بيت المقدس فوضعتها عند الأحبار وقالت لهم دونكم هذه النذيرة فقالوا هذه ابنة إمامنا عمران وكان في حياته يأمهم في الصلاة فتنافسوا فيها كلهم يريد كفالتها إكراما لأبيها فقال لهم زكريا عليه السلام ادفعوها إلي فأنا أحق بها منكم وخالتها عندي فقالوا لا حتى نقترع عليها فانطلقوا إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم فتولى كفالتها زكريا عليه السلام فضمها إلى خالتها أم يحيا حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنا لها محرابة أي غرفة في المسجد لا يرقى إليها إلا بالسلم وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كل يوم كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا أي فاكهة في غير حينها فيجد فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فيسألها ويقول يا مريم من أين لك هذا الطعام فتقول هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب قال الله تعالى إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكرك الأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كل ما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنا لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب من آثار عناية الله تعالى بمريم عليها السلام وإنباتها النبات الحسن أن أرسل إليها جبريل عليه السلام فقال لها يا مريم إن الله اصطفاك أي اختارك واجتباك لطاعته وقبلك لخدمة بيته وطهرك من الأدناس والأقدار ومن كل ما يتنافى مع الخلق الحميد والطبع السليم واصطفاك على نساء العالمين في زمانك يا مريم أخلص العبادة لله وحده وداومي عليها وأكثر من السجود لله ومن الركوع مع الراكعين فإن ملازمة الطاعات والصلوات من شأنها أن تحفظ النعم وأن تزيد الإنسان قربا وحبا من خالقه عز وجل فعملت مريم بوصية الله لها فكانت تغتسل كل ليلة وتقوم حتى تتورم قدماها وكان من شدة عبادة مريم عليه السلام أن اعتزلت أهلها وتنحت عنهم وذهبت وحيدة إلى شرق المسجد المقدس لتعبد الله تعالى وزيادة في خلوتها وعزلتها عن الناس اتخذت من دونهم سترا يحجبها عنهم وذات يوم وهي في تلك الحال أرسل الله إليها جبريل عليه السلام فتشبه لها في صورة بشر جميل معتد للهيئة كامل البنية كأحسن ما يكون الإنسان فلما رأته عندها داخلا عليها بالاستئذان خافته وظنت أنه يريدها بسوء فقالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا وبهذا القول تكون قد جمعت بين الاعتصام بربها وبين تخويفه من عذاب الله إن سولت له نفسه إرادتها بسوء كما أن قولها هذا يدل على أنها قد بلغت أسما درجات العفة والطهر والبعد عن الريبة فهي تقول له هذا القول وهي تراه بشرا سويا جميلا وفي مكان خال بمعزل عن الناس فلما رأى جبريل منها الروع والخيفة قال لها إنما أنا رسول ربك إليك فلا تخافي ولا تجزعي وقد أرسلني إليك لأهب لك بإذنه وقدرته غلاما زكيا طاهرا من الذنوب والمعاصي كثير الخير والبركات اسمه عيسى فتعجبت مريم عليها السلام من هذا وقالت كيف يكون لي غلام ولست بذات زوج ولا يتصور مني الفجور فقال لها جبريل عليه السلام مجيبا لها عما سألت إن الله سيوجد منك غلاما وإن لم يكن لك زوج ولا توجد منك فاحشة فإنه على ما يشاء قدير وليجعله آية للناس على قدرته تعالى ورحمة منه لهم بأن يصير هذا الغلام نبيا من الأنبياء يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده والتعلم يا مريم أن الله قد قضا هذا الأمر فليس منه بد استسلمت مريم لقضاء الله عند ذلك نفخ جبريل عليه السلام في جيب درعها وهو فتحة العنق من الثوب فحملت مريم بالولد بإذن الله تعالى فلما أحست بالحمل ضاقت به ذرعا ولم تدري ماذا تقول للناس فإنها تعلم أنهم لن يصدقوها فيما تخبرهم به فلما اكتمل حملها وقرب الوضع خافت من قومها فتنحت عنهم وبتعدت إلى أن وصلت أقصى الوادي في بيت لحم على بعد ثمانية أميال من بيت المقدس فألجأها المخاض إلى جذع نخله فلما آلمها وجع الولادة ووجع الانفراد عن الطعام والشراب ووجع قلبها من قالة الناس وخافت من عدم صبرها تمنت أنها ماتت قبل هذا الحادث وكانت نسيا منسيا فلا تذكر إنها لحظات عصيبة تعيشها أي مرأة تلد في حالة طبيعية فكيف بمريم عليه السلام وهي في هذه الحالة النفسية الصعبة وهي مع ذلك وحيدة تضع مولودها لأول مرة دون معين كان جبريل عليه السلام أسفل منها في مكان أنزل من مكانها فسكن من روعها وثبت جأشها وقال لها لا تحزني يا مريم ثم ضرب برجله الأرض فجرى نهر صغير من تحتها وقال لها قد جعل ربك تحتك سريا نهرا عذبا تشربين منه وحرك نحوك جذع النخله وساقط عليك رطبا جنيا صالحا للأكل طريا لذيذا قيل ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل فكلي يا مريم من ذلك الرطب واشربي من ذلك السري وقري عينا وطيبي نفسا وطردي عنك الأحزام فإذا رأيت من البشر أحدا فسألك عن ولدك فقولي إني نذرت للرحمن صوما أي صمتا فلن أكلم اليوم أحدا وكان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام كما يصوم عن الطعام فلا يتكلم حتى يمسي قال الله تعالى واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أن يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمةنا وكان أمرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما تر إن من البشر أحدا فقولي فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا حملت مريم عليه السلام وليدها بين يديها وأتت به قومها وذلك لعلمها ببراءة نفسها وطهارتها فأتت غير مبالية ولا مكترثة فلما رأوها قالوا لها يا مريم لقد جئت شيئا فريا أي عظيما وخيما وأرادوا بذلك الزنا حاشاها من ذلك وقالوا لها معاتبين يا أخت هارون وكان لها أخ من أبيها اسمه هارون وكانوا يتسمون بأسماء الأنبياء وكان هارون أخوها أمثل رجل في بني إسرائيل تقوى وعباده قالوا لها يا أخت هارون ما كان أبوك زانيا ولا كانت أمك زانية فأنت من بيت طاهر معروف بالصلاح فكيف تأتينا بولد من غير أب فأشارت مريم عليه السلام إلى ابنها عيسى ولسان حالها يقول لهم وجهوا كلامكم إليه فإنه سيخبركم بحقيقة الأمر لكنهم لم يقتنعوا بإشارتها بل قالوا لها كيف نكلم طفلاً صغيراً ما زال في مهده وفي حال رضاعه واعتبروا فعلها هذا أشد عليهم مما رموها به من الزنا فحينئذ انطق الله عيسى عليه السلام وهو صبي في المهد فقال لهم إني عبد الله هذه أول كلمة وقال لها عيسى عليه السلام ثم قال آتاني الكتاب أي قضى أن يؤتيني الإنجيل وأن يجعلني من جملة أنبيائه الكرام أدعو الناس إلى عبادته وحده واجعلني أيضاً بجانب نبوتي مباركاً كثير الخير والبركة والزكاة مادمت حيا واجعلني كذلك مطيعاً لوالدتي باراً بها ولم يجعلني مغروراً متكبراً مرتكباً للمعاصي والموبقات والسلام والأمان من الله تبارك وتعالى علي يوم ولد ويوم أموت مفارقاً هذه الدنيا ويوم أبعث حيا للحساب والجزاء في يوم القيامة فلما كلمهم عيسى عليه السلام بهذا علموا براءة مريم ثم سكت عيسى عليه السلام فلم يتكلم بعد ذلك حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان قال الله تعالى فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم قد جئت شيئاً فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إن عبد الله أعطاني الكتاب وجعلني نبي وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة وأوصاني بالصلاة والزكاة مادم تحيا ودرا بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقيا والسلام على لي يوم أولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا جاء وفد من نصار نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما لك تشتم صاحبنا يقصدون نبي الله عيسى عليه السلام قال ما أقول قال تقول إنه عبد الله قال صلى الله عليه وسلم أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول فغضبوا وقالوا هل رأيت إنساناً قط من غير أب فإن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله تعالى قوله إن مثل عيسى أنزل الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعض ما جاءك من العلم فقل تعالوا قل تعالوا ندعوا أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين وجه الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله إن جادلك أهل الكتاب في شأن عيسى من بعد ما أخبرتك بما هو الحق من أمره فادعهم إلى المباهلة وقل لهم تعالوا أيها المجادلون إلى أمر يعرف فيه الحق من الباطل وهو أن ندعو نحن وأنتم ونجمع جميعا في مكان واحد ثم نتضرع إلى الله ونبتهل إليه بأن يجعل لعنته على الكاذبين في دعواهم المنحرفين عن الحق في اعتقادهم فقالوا يا أبى القاسم دعنا ننظر في أمرنا ثم تشاوروا بينهم وقالوا والله يا معشر النصار فقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم النبي قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم وإنه لاستئصالكم إن فعلتم فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا أبى القاسم قد رأينا أننا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا فلم يلاعنهم صلى الله عليه وسلم وأقرهم على خراج يؤدونه إليه للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعي كنتم مع قصص الأنبياء