قِصَّةُ مَلِكَةِ سَبَى مع نبيِّ اللهِ سُليمانَ عليه السَّلام الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد فهذه سلسلةٌ مباركة عن قصة ملكة سبَى مع نبيِّ الله سليمان عليه الصلاة والسلام والقصة ذكرت في القرآن مرةً واحدةً في سورة النمل ومملكة سبَى تقع في اليمن ولها تاريخٌ عريق وحضارةٌ لا تزال آثارها باقيةً إلى يومنا هذا وقد ذكرها الله في القرآن في سورة سبَى وبين ما وصلت إليه من الخير الكثير والنعم العظيمة حتى أصبحت آية زمانها وسماها بلدةً طيبة ولكنه سبحانه أهلكها ودمّرها لما أعرض أهلها عن أمره جل في علا قال تعالى لقد كان لسبئٍ في مسكنهم آية جنتان عين يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة وربٌ غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين فقالوا ربنا بعيد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحادي فومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة من من هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ قال السعدي رحمه الله ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور أي وهل نجازي جزاء العقوبة بدليل السياق إلا من كفر بالله وبطر النعمة فلما أصابهم ما أصابهم تفرقوا وتمزقوا بعدما كانوا مجتمعين وجعلهم الله أحاديث يتحدث بهم وأسمارا للناس وكان يضرب بهم المثل فيقال تفرقوا أيدي سبأ فكل أحد يتحدث بما جرى لهم ولكن لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا من قال الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور صبار على المكاره والشدائد يتحملها لوجه الله ولا يتسخطها بل يصبر عليها شكور لنعمة الله تعالى يقر بها ويعترف ويثني على من أولاها ويصرفها في طاعته فهذا إذا سمع بقصتهم وما جرى منهم وعليهم عرف بذلك أن تلك العقوبة جزاء لكفرهم نعمة الله وأن من فعل مثلهم فعل به كما فعل بهم وأن شكر الله تعالى حافظ للنعمة دافع للنقمة وأن رسل الله صادقون فيما أخبروا به وأن الجزاء حق كما رأى مذجه في دار الدنيا وقصة ملكة سبأ وهي جزء من تاريخ مملكة سبأ وهي من ناحية أخرى من قصص المرأة في القرآن الكريم وإنما ذكر الله قصص النساء في القرآن لتترب المرأة من خلالها ولتعتبر بها وتتعظ فتسلك سبيل المؤمنين وتجتنب سبيل المفسدين وقد جاءت هذه القصص في ثنايا السور وكل قصة لها مناسبة لموضوع السورة التي تذكر فيها وفيها عبر وعظات وهداية ورحمة كما قال تعالى لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة وهدى ورحمة لقوم يؤمنون قال محمد رشيد رضا رحمه الله وليس القرآن تاريخا ولا قصصا وإنما هو هداية وموعظة فلا يذكر قصة لبيان تاريخ حدوثها ولا لأجل التفكه بها أو الإحاطة بتفصيلها وإنما يذكر ما يذكره لأجل العبرة كما قال لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب وبيان سنن الاجتماع كما قال قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين وقال سنة الله التي قد خلت في عباده وغير ذلك من الآيات والحوادث المتقدمة منها ما هو معروف والله تعالى يذكر من هذا وذاك ما شاء أن يذكر لأجل العبرة والموعظة فيكتفي من القصة بموضع العبرة ومحل الفائدة ولا يأتي بها مفصلة بجزئياتها التي لا تزيد في العبرة بل ربما تشغل عنها والفقرة الأخيرة من كلام الأستاذ محمد رشيد رضا رحمه الله فقرة مهمة جدا لأنها تعطينا منهج التعامل مع القصص القرآني وما هي الجوانب التي ينبغي أن نركز عليها لنتدبر القصة ونأخذ العبرة ونترك الجوانب التي لم تذكر لنا في القصة ولا ننشغل بها قال أبو زهرة رحمه الله فالمقصود من قصص القرآن العبرة والاعتبار لا سرد وقائع وامتاع الناس بسردها وتفصيلها عبرة لأولي الألباب ولذلك يقصد المولى الكريم إلى موضع العبرة فيجليه وإلى مكان الاستبصار فيبينه وتلك أقوم السبل التربية بالتاريخ والتفقيف بأحوال السابقين إن الإنسان ابن الإنسان فمن يريك صورة للماضي مع العبرة فهو يريك نفسك مع العظة والماضي دائماً نور يضيء للمستقبل فهو المصباح الذي يحمله من يبتغي الهداية ويرجوها وإن في تلك القصة التي ذكرها القرآن الكريم المنزل من حكيم عليم عبرة للناس جميعا وخصوصا الأمم التي تبتلى بالهزيمة وذكر هذه القصص فيه علامة من علامات النبوة فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم بها قبل الوحي قال محمد رشيد رضا رحمه الله وذكر هذه القصص في القرآن من دلائل كونه من عند الله تعالى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم هذا لا هو ولا قومه كما صرح به في سورة هود بعد تفصيل قصة نوح مع قومه بقوله تلك من أمباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين وكما قال في آخر سورة يوسف بعد سرد قصته مع إخوته ذلك من أمباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون وحتى تستفيد المرأة من قصص النساء في القرآن لا بد أن تتأنى في قراءته وتتأمل الآيات وتتدبر ما فيها من المعاني فإن الله مدحأ للألباب الذين يتدبرون القرآن قال تعالى كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبر آياته وليتذكر أولو الألباب وقال سبحانه لقد كان في قصصهم عبرة لأولو الألباب قال أبو زهرة رحمه الله ويقيد سبحانه وتعالى المعتبرين بأن يكونوا من ذو الألباب أي العقول التي تذهب في إدراكها إلى لب الأمور وحقائقها ويتدبرون مباديها ونهاياتها ولذلك لا بد من أن تعمل المرأة فكرها في تدبر قصص المرأة في القرآن حتى تأخذ العبرة منها وتتعظى في نفسها وتستقيم حياتها على ما يرضي الله عز وجل ولذلك قال تعالى فقصص القصص لعلهم يتفكرون قال الطاهر بن عاشور رحمه الله أي قصص هذه القصة وغيرها وهذا تذييل للقصة الممثل بها يشملها وغيرها من القصص التي في القرآن فإن في القصص تفكرا وموعظة فيرجى منه تفكرهم وموعظتهم لأن للأمثال واستحضار النظائر شأنا عظيما في اهتداء النفوس بها وتقريب الأحوال الخفية إلى النفوس الذاهلة أو المتغافلة لما في التنظير بالقصة المخصوصة من تذكر مشاهدة الحالة بالحواس بخلاف التذكير المجرد عن التنظير بالشيء المحسوس وقصة مركة سبأ هي من جملة القصص القرآني الذي يراد منه أخذ العبرة والعظة فأين موقن العبرة من القصة وما الهدف الرئيس من إيراد هذه القصة في سورة النمل وما دور الهدهد في القصة وما صفات المرأة الشخصية التي تجلت في هذه القصة وما الحيلة التي استخدمتها مركة سبأ مع سليمان وكيف تعامل نبي الله سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ بعد كشف حيلتها وما أثر العلم في قصة ملكة سبأ وهل كانت ملكة سبأ ذكية عاقلة وما دليل ذلك ولماذا لم تلجأ ملكة سبأ إلى القتال مع قوة أهل اليمن وشدة بأسهم وما الأمور التي تصد الإنسان عن معرفة الحق واتباعه هذه أسئلة سنحاول الإجابة عليها إن شاء الله في هذه السلسلة المباركة من قصة ملكة سبأ سائلين المولا عز وجل أن يسددنا لصالح القول والعمل والحمد لله رب العالمين قصة ملكة سبأ مع نبي الله سليمان عليه السلام