خلاصة مفاهيم أهل السنة الغرض من تقسيم العلوم إلى شرعية و دنيوية يمكن تقسيم العلم إصطلاحاً فقط إلى علم شرعي و علوم دنيوية فالعلم الشرعي هو العلم بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من كتاب وما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوال و أفعال و إقرارات مما يظهر البينات ويحقق التوحيد والهدى و الفرقان بين الحق والباطل كما يحقق للناس مصالحهم في الدنيا والآخرة ويقيم الحجة على الناس ويندرج تحت العلم الشرعي ما يطلق عليه العلوم الخادمة أو علوم الآلة كعلم اللغة وعلم الأصول ومصطلح الحديث وكل ما يخدم علمي الكتاب والسنة ويوضح دلالاتهما و العلوم الدنيوية تشمل كل ما يفيد الناس في حياتهم الدنيا ويساهم في التطور والرفاهية كعلوم الطب والهندسة والفيزياء إلى آخر ذلك العلم كله هبة من الله فاللائق بكل ذي علم أن يعرف مصدره ويحمد الله عليه وأن يبذله فيما يرضي الله فإذا ارتبطت علوم الدنيا بالتقوى والإيمان فهي تندرج حينئذ تحت العلم المحمود الذي يثن الله عليه وعلى أهله قال تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفة ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابي بسود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك فذكر أمورا من علوم الدنيا ثم أثنى بعدها على من يعلمها ويفيد منها في خشته لله تعالى فقال إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور أما العلم الذي يبعد القلب عن ربه فهو علم فاسد زائغ عن مصدره وهدفه ولا يثمر سعادة حقة لصاحبه ولا للناس بل ينتج عنه الدمار والشقاء للبشرية جمعا وما آثار القنابل الذرية والهيدروجينية وأسلحة الدمار الشامل عننا ببعيد تقديم أغلب الناس علوم الدنيا على الآخرة لما عظم الناس الدنيا وآثروها على الآخرة قدموا علوم الدنيا التي تحفظ أبدانهم ومعاشهم على علم الشرع الذي يحفظ للناس آخرتهم ودنياهم ويداوي قلوبهم مع أن علوم الدنيا تتقاضى منهم أجورا وعلم الشرع يأتيهم مجانا قال الله تعالى فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون عجز العلم عن إدراك أمور الغيب ينبغي أن يسلم العلم والعلماء بالعجز عن إدراك الأمور الغيبية عنهم وليس ذلك فيما يتعلق بالآخرة والجنة والنار فحسب بل في كل ما يعد غيبا عنهم حتى في واقعهم ومعاشهم كالروح مثلا قال تعالى ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا وعلى العلماء أن يدركوا أن ما عندهم من العلم لا يساوي في جانب علم الله إلا كما يأخذه العصفور بمنقاره من البحر عجز العلم عن إدراك بعض الأمور لا يقتضي ردها ورفضها بإطلاق كما لا يعني قبولها بإطلاق والتسليم بكل خرافة والجري وراء كل أسطورة وإنما ينبغي للعلم وأهله إزاء ذلك التوسط والتوقف في الأمر حتى يتمكن بوسائله المتاحة من إدراك ما قد يعجز عن فهمه أو يسلم بأن في الأمر شيئا فوق قدرته وحدوده ويحسب للمجهول في هذا الكون حسابه ومن الأمثلة التي توضح ذلك قد يرى المرء رؤيا في منامه فتقع مستقبلا كما رآها فالعلم الدنيوي يعجز عن تفسير مثل ذلك وقد شهد الشرع لصحة وقوعه قال صلى الله عليه وسلم إذا اقترب الزمن لم تكد تكذب رؤيا المؤمن ورؤيا المؤمن جزء من 46 جزء من النبوة رواه البخاري ومن الأمثلة التي توضح ذلك ما يعرف بظاهرة التخاطر حيث تتوارد الخواطر بين اثنين مع بعدهما عن بعضهما البعض مثال ذلك ما وقع بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه والصحابي سارية بن زنيم الدؤالي رضي الله عنه حيث كان عمر رضي الله عنه يخطب الجمعة على المنبر في المدينة المنورة وفي الوقت ذاته يقاتل سارية الفرسة في نهاوند فورد في خاطر عمر أن سارية محاصر من الفرس ويكاد جيشه ينكسر فنادى عمر بأعلى صوته يا سارية الجبل الجبل أي تحصن بالجبل وكان بجوار سارية وجيشه جبل فسمع سارية صوتا ينادي بمثل ما قاله عمر فتحصن بالجبل وواجه الفرس فما لبث إلا ساعة ثم فتح الله عليه فمثل هذا يعجز العلم أيضا عن تفسيره ويعد من كرامات الأولياء وهو مما يجريه الله على يد بعض أوليائه من خوارق العادات تثبيتا لهم على الحق ونصرة له وشرط صحة الكرامة أن تكون من ولي لله تعالى وكل مؤمن تقي هو من أولياء الله تعالى قال الله تعالى ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون وربما يحدث مثل ذلك التخاطر أو غيره من التأثير في حواس الناس وأفكارهم ويكون من قبيل السحر والشعوذة والاستعانة بشياطين الجن وقد أثبت القرآن كلًا من السحر وما يقوم به الجن من خوارق وأرشد إلى كيفية التحصن من ذلك لا بد من العلم قبل العمل لأن العمل هو الميزان الذي توزن به الأقوال والأعمال وهذه قاعدة أساسية في منهج السلف وقد بواب البخاري في صحيحه في كتاب العلم باب العلم قبل القول والعمل واستدل بقول الله تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات حيث ذكر الله تعالى العلم وقدمه على الاستغفار وهو عمل العلم بصيرة للدعوة من يتعجل الدعوة إلى الله بغير علم يدعو بلا بصيرة فلن يحقق مبتغاه وإن زعم الإخلاص في دعوته ولن تثمر دعوته قال تعالى قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني سبحان الله وما أنا من المشركين فاشترط البصيرة وهي مقتض العلم لسلوك سبيل الدعوة تعلم العلم لا يعطل العمل تعلم العلم الشرعي لا يعطل العمل بل التعلم نفسه عمل لازم لبداية الطريق وقد قال صلى الله عليه وسلم من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة رواه مسلم مقتض العلم العمل فالغرض الرئيس من العلم الشرعي هو العمل بما يتعلمه المرء من أمر دينه وفي ذلك رفعة من الله لصاحب العلم وعصمة له من الشيطان أما من يترك العمل بما علمه فهو يسلط الشيطان عليه ويتبع هواه فينزل أسفل سافرين قال الله تعالى واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها لكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه للبيئة أثرها في نوع العلم وملامحه فأهل الحجاز لما كانوا قريبين من مهبة الوحي وكانت الأحداث والوقائع فيهم محدودة نوعا ما برزت فيهم مدرسة أهل الحديث وكثر فيهم المفسرون والمحدثون وكانوا ألصق الناس بنصوص الوحي وآثار الصحابة والتابعين ولما كانت العراق بلاد اختلاف وفرق وبتليت بالروافض والقول بالقدر وكثرت فيهم الترجمة عن الفلاسفة والمتكلمين وكثر الاختلاط بالأعاجم تولد عن ذلك وقائع عديدة فلما حدث كل ذلك ظهرت مدرسة الرأي وكثر القياس والاجتهاد للحكم في الوقائع والنوازل الحادثة التي لم يرد فيها نص وبلاد الشام أرض جهاد ورباط فبرز في أهلها وعلمائها الحديث عن الملاحم والفتن كما تؤثر البيئة على العالم وربما غيرت بعض آرائه واجتهاداته فالإمام الشافعي له مذهبان أحدهما في العراق والآخر في مصر