قصص الأنبياء ... قصص الأنبياء ... عليهم السلام صلاة الله عقبها سلام على خير الخلائق أجمعين أولو عزمين مقامهم رفيع قصة موسى عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ... في هذا الفصل الأخير من قصة نبي الله موسى عليه السلام مع قومه بني إسرائيل نستعرض بعض الأحداث التي قص الله علينا من أخبارهم في كتابه العزيز ومن تلك الأحداث رحلة موسى مع الخضر عليهما السلام فقد ثبت في السنة النبوية أن موسى عليه السلام قام خطيبا في بني إسرائيل فخطب خطبة بليغة ذرفت منها العيون وخشعت منها القلوب فقام رجل فقال لموسى عليه السلام أي الناس أعلم قال موسى ... أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فقال له من لي عبد بمجمع البحرين هو أعلم منك فقال موسى أي ربي وكيف لي به قال الله تأخذ حوتا والحوت هو السمكة فتجعل الحوت في مكتل فحيثما فقدت الحوت ستجده هناك أخذ موسى عليه السلام حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق هو وفتاه يوشع بن نون في رحلتهما في طلب العلم وكان يأكلان من ذلك الحوت ويتزودان منه في رحلتهما حتى إذا أتي صخرة في طريق سيرهما أراد موسى عليه السلام النزول عندها للراحة فوضع رؤوسهما ورقد موسى عليه السلام وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا عادت له الحياة وأصاب الحوت من ماء تلك العين فاضطرب وتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق أي مثل الخط في الأرض استيقظ موسى عليه السلام ونسي يوشع أن يخبره بشأن الحوت فانطلق يمشيان بقية ليلتهما ويومهما حتى إذا كان من الغد أدرك موسى التعب والجوع ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به فطلب من فتاه يوشع أن يحضر له الطعام فأخبره يوشع أنه قد نسي الحوت عند تلك الصخرة وقد أنساه الشيطان أن يذكر له ذلك في وقتها واتخذ الحوت سبيله في البحر عجبا فكان مسار الحوت في البحر للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا فقال موسى عليه السلام ذلك ما كنا نبغي من مسيرنا هذا فرجع يتبعان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوب يدعى الخضر عليه السلام فسلم موسى فرد عليه وقال وأنا بأرضك السلام قال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال نعم أتيتك لتعلمني مما علمك الله قال الخضر عليه السلام يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه قال موسى للخضر هل أتبعك على أن تعلمني مما علمك الله فأجابه الخضر ليس لك القدرة على مرافقتي والأخذ عني فقال موسى ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا فوافق الخضر عليه السلام واشترط على موسى قائلا فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أكون أنا أذكر لك ذلك قال الله تعالى وإذ قال موسى لفتاه لا أذرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا فلما بلغ مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغ فارتدى على آثارهما قصصا فوجد عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا وتبدأ الرحلة الغريبة العجيبة ويقص الله عز وجل علينا ما وقع فيها ثلاث مواقف محيرة لم يستطع موسى عليه السلام أن يكتم استغرابه منها وأن يحافظ على عهده للخضر بأن لا يسأله عن شيء يقع لهما أثناء صحبته له انطلق موسى والخضر يمشيان على ساحر البحر فمرت بهما سفينة فعرضوا عليهم أن يحملوهما فعرفوا العبد الصالح الخضر فحملوهما بغير أجر فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين فقال الخضر يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر ثم أخذ الخضر فأسى فنزع لوحا من السفينة فقال له موسى ما صنعت قوم حملونا بغير أجر عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها إن هذا الأمر منكر فقال الخضر ألم أخبرك يا موسى أنك لا تقدر على متابعتي والأخذ عني فاعتذر موسى إليه وأخبره أنه قد نسي ما وعده به قبل أن ينطلقا معا فعذره الخضر وأكمل رحلتهما فلما خرجا من البحر مروا بغلام يلعب مع الصبيان فأخذ الخضر برأسه فقلعه بيده فقتله فأنكر عليه موسى عليه السلام واعترض عليه بقوله كيف تقتل نفسا لم ترتكب إثما فرد عليه الخضر لقد أخبرتك في بادي الأمر أنك غير قادر على متابعتي والأخذ عني وهن اعتذر موسى إليه ثانية ووعده أنه لن يكرر عليه الاعتراض ثانية وإن هو فعل واعترض فإنه في حل من الأمر فوافق الخضر عليه السلام ثم إن موسى والخضر تابع مسيرهما فمر على قرية وكان الجوع قد أخذ منهما كلما أخذ فسألوا أهل القرية الضيافة فأبوا أن يقدموا لهما شيئا من الطعام في تلك الأثناء رأى الخضر عليه السلام جدارا مائلا على وشك السقوط فعمد إلى إصلاحه وإسناده بالدعائم ليمنع سقوطه ولم يطلب الخضر من أهل القرية أجرا على عمله فاستغرب موسى عليه السلام لهذا الموقف كيف يقوم الخضر بهذا الفعل مع أن القوم لم يقدموا لهما شيئا يدفع عنهما غائلة الجوع ثم توجه إلى الخضر وخاطبه بقوله قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا عمدت إلى حائطهم فآقمت ألم يكن من العدل أن تطلب أجرا على عملك هذا أو على الأقل أن تطلب طعاما مقابل ما قمت به من عمل فقال الخضر لموسى لقد آن لنا أن نفترق بعد كل الذي حصل لقد أثبتت الأحداث والوقائع أنك غير قادر على متابعتي وملازمتي على الرغم من هذا فسوف أخبرك بحقيقة ما فعلت قال الله تعالى فانطلق حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرى قال ألم أقول إنك لن تستطيع معي صبرى قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلق حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقول لك إنك لن تستطيع معي صبرى قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلق حتى إذا أتيا أهل قرية استطعم أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأوي لما لم تستطع عليه صبرى أخذ الخضر يقص على موسى الحكم والعبرة من كل ما فعله فأخبره أن السفينة كانت ملكا لأناس فقرا يتكسبون منها وكان أمامهم في مسيرهم ملك ظالم يأخذ كل سفينة صالحة لا عيب فيها ويترك كل سفينة فيها عيب أو عطب فعمدت إلى خرقها وإحداث عيب فيها منعا لأولئك القراصنة من مصادرتها واغتصابها وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين وكان هو في علم الله كافرا وكان يخشى عليهما منه فقتلته منعا من أن يفتن أبوي ويردهما عن إيمانهما بالله فإن العاطفة الأبوية قد تجر أحيانا إلى ما لا يحمد عقبا وقد تدفع المؤمن إلى ترك إيمانه إن جرارا وراء تلك العاطفة وأردنا أن يبدل الله أبويه ولدا خيرا منه طهرا وأكثر صلاة ورحمة وأما إقامة الجدار الذي أشرف على السقوط فقد كان مخبو أن تحته كنز لغلامين ولو سقط الجدار قبل أن يبلغ الغلامان لذهب ذلك الكنز عليهما إذ ليس لهم القدرة على الدفاع عن حقيهما فكان الغرض من إقامته رعاية حق هذين الغلامين اليتيمين في هذا المال إكراما لأبيهم الصالح قال الله تعالى أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغ أشدهما ويستخرج كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستع عليه صبرا قال النبي صلى الله عليه وسلم وددنا أن موسى كان صبر فقص الله علينا من خبرهما متفق عليه لم يسلم نبي الله وكليمه موسى عليه السلام من أذى بني إسرائيل وجرأتهم عليه وهذا من سوء أدبهم مع أنبيائهم بل قد وصل بهم الحد إلى قتل بعضهم والله المستعان جاء في صحيح مسلم أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عرا ينظر بعضهم إلى سوءة بعض وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر يعني كبير الخصيتين فذهب موسى عليه السلام يوما يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه فجرى موسى عليه السلام على أثره يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى نظرت بني إسرائيل إلى سوءة موسى وقالوا والله ما بموسى من بأس فقام الحجر فأخذ موسى عليه السلام ثوبه ثم طفق بالحجر ضربا وفي هذا يقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها وفي سنين التيه هذه توفي نبي الله هارون عليه السلام ثم بعده بثلاث سنوات جاء ملك الموت على صورة رجل لقبض روح نبي الله موسى عليه السلام فلما جاء لم يتعرف عليه موسى فلطمه ففقأ عينه فعاد ملك الموت وقال يا ربي أرسلتني إلى عبد لا يحب الموت قال الله ارجع إليه وقل له يضع يده على ظهر ثور فله بكل شعرة تحت يده سنة فأتاه ملك الموت فأخبره فقال له موسى فما بعد ذلك قال الموت قال فالآن إذن فقبض روحه وسأل موسى عليه السلام ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو كنت ثم أي هناك لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري بي مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر لما انقضت الأربعون سنة التي كتب الله على بني إسرائيل في هتيه وانقرض الجيل الأول الذي تربى على الذل والهوان ونشأ جيل جديد بعث الله إليهم فتى موسى وهو يوشع بن نون فدعى بني إسرائيل وأخبرهم أنه نبي وأن الله أمره أن يقاتل الجبارين فبايعوه وصدقوه فتوجه بهم نحو الأرض المباركة فلما علم بهم أهل بيت المقدس أتوا إلى رجل منهم يقال له بلعم بن باعورا وكان مجاب الدعوة وعنده اسم الله الأعظم فقالوا له إن يوشع رجل حديد ومعه جند كثير وإنه جاء ليخرجنا من بلادنا ويحلها بني إسرائيل وأنت رجل مجاب الدعوة فادعوا الله أن يردهم عنا فقال ويلكم نبي الله ومعه المؤمنون كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم وإني إن فعلت هذا ذهب الدنيا وآخرتي فراجعوه وألحو عليه وأعطوه من متاع الدنيا حتى أقنعوه فدعا عليهم فرجع الدعوته عليهم وخسره والدنيا والآخرة وأصبح حاله كحال الكلب يلهث في كلتا حالتين سواء ان شددت عليه أو تركته فلما رأى بلعم أنه قد كتب عليه الشقاء قال لقومه سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم إن الله يبغض الزنا وإنهم إن وقعوا في الزنا هلكوا فأخرجوا النساء يستقبلنهم فإنهم قوم مسافرون فعسى أن يزنوا فيهلكوا ففعلوا وأخرجوا النساء إليهم فوقع بنو إسرائيل في الزنا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء قال الله تعالى واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فقصص القصص لعلهم يتفكرون لم يصف ليوشع عليه السلام إلا بعض من بني إسرائيل فدخل بهم بيت المقدس وفتح الله عليه وكتب له النصر على القوم الجبارين فأمرهم الله أن يدخلوا المدينة سجدا أي منحنين راكعين تواضعا لله عند الدخول وأن يقولوا حطة أي حط عنا خطايانا فبدلوا أمر الله لهم بالقول والفعل فقد دخلوا يزحفون على أستاهم رافع رؤوسهم بدل أن يدخلوا ساجدين وبدل أن يقولوا حطة إستهزأوا وقالوا حنطة في شعيرة وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة فأنزل الله بهم بأسه وعذابه بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعته وذلك جزاء الظالمين قال الله تعالى وإذ قلنا دخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون أيها الإخوة الكرام إن نبي الله موسى عليه السلام من أكثر الأنبياء ذكرا في القرآن ووردت قصته في أكثر من سورة من كتاب الله فقد ذكر الله موسى عليه السلام في القرآن مئة وستة وثلاثين مرة وقصته فيها العديد من الدروس والعبر نكتفي بما ذكر منها أثناء السرد وكان عمر موسى عليه السلام حين وفاته مئة وعشرين سنة ويروا أن يوشع عليه السلام رآه بعد موته في المنام فقال له كيف وجدت الموت فقال كشات تسلخ وهي حية وهذا صحيح معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إن للموت سكرات للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين كنتم مع قصص الأنبياء