WEBVTT

00:00:00.000 --> 00:00:05.769
قصة ملكة سبأ

00:00:05.769 --> 00:00:11.699
أفتوني في أمري

00:00:11.699 --> 00:00:15.779
بعد أن قرأت ملكة سبأ على قومها الكتاب

00:00:15.779 --> 00:00:17.339
قالت لهم

00:00:17.339 --> 00:00:24.829
يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون

00:00:24.829 --> 00:00:26.629
كلمات مختصرة

00:00:26.629 --> 00:00:30.510
دلت على مستوى عقل وذكاء ملكة سبأ

00:00:30.670 --> 00:00:36.130
إضافةً إلى ما سبق وبينناه في الحلقة السابقة

00:00:36.130 --> 00:00:39.689
لقد احتوت هذه الكلمات على عدة أمور

00:00:39.689 --> 00:00:42.810
منها استشارة القوم

00:00:42.810 --> 00:00:45.729
وعبرت عنها بطلب الفتيا

00:00:45.729 --> 00:00:49.969
وطريقة إصدارها للقرارات في مملكتها

00:00:49.969 --> 00:00:52.250
وكسب قلوب شعبها

00:00:52.250 --> 00:00:55.189
وتواضع ملكة سبأ

00:00:55.189 --> 00:00:57.750
قال السعدي رحمه الله

00:00:57.750 --> 00:00:59.869
فمن حزمها وعقلها

00:00:59.869 --> 00:01:04.790
أن جمعت كبار دولتها ورجال مملكتها وقالت

00:01:04.790 --> 00:01:08.390
يا أيها الملأ أفتوني في أمري

00:01:08.390 --> 00:01:11.989
أي أخبروني ماذا نجيبه به

00:01:11.989 --> 00:01:15.230
وهل ندخل تحت طاعته وننقاد

00:01:15.230 --> 00:01:17.500
أم ماذا نفعل

00:01:17.500 --> 00:01:21.420
ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون

00:01:21.420 --> 00:01:27.989
أي ما كنت مستبدة بأمر دون رأيكم ومشورتكم

00:01:27.989 --> 00:01:30.230
لقد سلكت ملكة سبأ

00:01:30.269 --> 00:01:33.750
ومسلك العقلاء من الملوك والرؤساء

00:01:33.750 --> 00:01:36.670
الذين لا يستبدون برأيهم

00:01:36.670 --> 00:01:39.629
ولا يهملون عقلاء شعوبهم

00:01:39.629 --> 00:01:44.239
فيستشيرونهم في أمور العامة والخاصة

00:01:44.239 --> 00:01:47.109
قال القشيري رحمه الله

00:01:47.109 --> 00:01:52.189
أخذت في المشاورة كما تقتضيه الحال في الأمور العظام

00:01:52.189 --> 00:01:56.390
فإن الملك لا ينبغي أن يكون مستبدًا برأيه

00:01:56.390 --> 00:02:02.450
ويجب أن يكون له قوم من أهل الرأي والبصيرة

00:02:02.450 --> 00:02:07.370
إن مسلك المشاورة قد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم

00:02:07.370 --> 00:02:09.490
في القرآن الكريم

00:02:09.490 --> 00:02:13.360
فقال سبحانه وتعالى لنبيه

00:02:13.360 --> 00:02:18.560
فبما رحمة من الله لنت لهم

00:02:18.560 --> 00:02:22.680
ولو كنت فضًا غليظ القلب

00:02:22.680 --> 00:02:26.680
لن فضوا من حولك

00:02:26.680 --> 00:02:33.120
فأعفو عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر

00:02:33.120 --> 00:02:38.159
فإذا عزمت فتوكل على الله

00:02:38.159 --> 00:02:44.949
إن الله يحب المتوكلين

00:02:44.949 --> 00:02:49.069
فطبق ذلك عليه الصلاة والسلام في حياته

00:02:49.069 --> 00:02:53.909
فاستشار أصحابه في غزوة بدر وأحد والخندق

00:02:53.909 --> 00:02:56.830
واستشارهم في حادثة الإفك

00:02:56.830 --> 00:03:03.310
التي تعرض فيها للطعن في عرضه وزوجه عائشة أم المؤمنين

00:03:03.310 --> 00:03:08.819
واستشارهم في مسائل كثيرة عرضت عليه في حياته

00:03:08.819 --> 00:03:13.580
فكيف يليق بمن يدعي محبته والسير على طريقته

00:03:13.580 --> 00:03:19.030
أن يترك هذا المسلك العظيمة في الوصول إلى الرأي السديد

00:03:19.030 --> 00:03:25.750
إن استشارة العقلاء لها أثر كبير في قلوبهم وقلوب عامة الناس

00:03:25.789 --> 00:03:29.990
فمن عرف عنه الاستشارة في مصالح عموم الناس

00:03:29.990 --> 00:03:36.360
يحب ويطاع ويلتف الناس حوله ويدعمون ملكة

00:03:36.360 --> 00:03:39.229
قال الزمغشري رحمه الله

00:03:39.229 --> 00:03:41.830
والمراد بالفتوى ها هنا

00:03:41.830 --> 00:03:47.710
الإشارة عليها بما عندهم فيما حدث لها من الرأي والتدبير

00:03:47.710 --> 00:03:51.789
وقصدت بالانقطاع إليهم والرجوع إلى استشارتهم

00:03:51.789 --> 00:03:54.069
واستطلاع آرائهم

00:03:54.069 --> 00:04:01.210
استعطافهم وتطيب نفوسهم ليمالئوها ويقوموا معها

00:04:01.210 --> 00:04:06.930
ولا يقدم على طلب الاستشارة في أموره كلها إلا المتواضع

00:04:06.930 --> 00:04:10.530
أما المتكبر فلا يستشير أحدا

00:04:10.530 --> 00:04:13.169
لأنه يعظم نفسه ورأيه

00:04:13.169 --> 00:04:16.529
ويحتقر غيره ويسفه رأيه

00:04:16.529 --> 00:04:21.129
ولذلك تنفر منه القلوب وينفض عنه الناس

00:04:21.170 --> 00:04:27.019
ويخالف الهدي النبوي ويخسر في الدنيا والآخرة

00:04:27.019 --> 00:04:31.899
ولو أن الملوك والرؤساء سلكوا مسلك استشارة العقلاء

00:04:31.899 --> 00:04:34.259
لاجتمعت القلوب عليهم

00:04:34.259 --> 00:04:38.100
ووقفت الشعوب معهم في المحن الكبيرة

00:04:38.100 --> 00:04:42.459
ولكن المشكلة الحقيقية بين الزعماء والشعوب

00:04:42.459 --> 00:04:44.620
هي الاستبداد بالرأي

00:04:44.620 --> 00:04:48.579
والسير على طريقة فرعون عندما قال

00:04:48.579 --> 00:04:55.310
ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيلاً رشاد

00:04:55.310 --> 00:04:58.139
قال ابن كثير رحمه الله

00:04:58.139 --> 00:05:05.259
قال فرعون لقومه رادًا على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد

00:05:05.259 --> 00:05:08.740
الذي كان أحق بالملك من فرعون

00:05:08.740 --> 00:05:11.699
ما أريكم إلا ما أرى

00:05:11.699 --> 00:05:17.339
أي ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي

00:05:17.379 --> 00:05:19.220
وقد كذب فرعون

00:05:19.220 --> 00:05:25.800
فإنه كان يتحقق صدق موسى عليه السلام فيما جاء به من الرسالة

00:05:25.800 --> 00:05:33.600
قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر

00:05:33.600 --> 00:05:35.800
وقال الله تعالى

00:05:35.800 --> 00:05:41.740
وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا

00:05:41.740 --> 00:05:45.060
فقوله ما أريكم إلا ما أرى

00:05:45.060 --> 00:05:47.259
كذب فيه وافترى

00:05:47.300 --> 00:05:52.860
وخان الله تبارك وتعالى ورسوله عليه السلام ورعيته

00:05:52.860 --> 00:05:55.620
فغشهم وما نصحهم

00:05:55.620 --> 00:05:57.220
وكذا قوله

00:05:57.220 --> 00:06:01.019
وما أهديكم إلا سبيلاً رشاد

00:06:01.019 --> 00:06:06.379
أي وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد

00:06:06.379 --> 00:06:08.660
وقد كذب أيضًا في ذلك

00:06:08.660 --> 00:06:12.750
وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه

00:06:12.750 --> 00:06:15.589
قال الله تبارك وتعالى

00:06:15.629 --> 00:06:17.910
فاتبعوا أمر فرعون

00:06:17.910 --> 00:06:21.029
وما أمر فرعون برشيد

00:06:21.029 --> 00:06:23.269
وقال جلت عظمته

00:06:23.269 --> 00:06:27.110
وأضل فرعون قومه وما هدا

00:06:27.110 --> 00:06:28.670
وفي الحديث

00:06:28.670 --> 00:06:33.629
ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته

00:06:33.629 --> 00:06:36.589
إلا لم يرح رائحة الجنة

00:06:36.589 --> 00:06:41.589
وإن ريحها ليوجد من مسيرة 500 عام

00:06:41.629 --> 00:06:47.100
والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب

00:06:47.100 --> 00:06:49.100
هذا الاستبداد بالرأي

00:06:49.100 --> 00:06:56.019
لا يوصل إلى الرأي السديد في مواجهة الأحداث التي تتعرض لها الممالك والدول

00:06:56.019 --> 00:06:59.899
بل هو علامة من علامات سقوط الدول

00:06:59.899 --> 00:07:05.139
لأن الاستبداد سببه الكبر واحتقار الناس وازدراؤهم

00:07:05.139 --> 00:07:09.019
وتسفيه آرائهم وطغيان في الأرض

00:07:09.019 --> 00:07:12.519
وهذا مآله إلى زوال

00:07:12.519 --> 00:07:18.240
والاستشارة لا تُطلب إلا من العقلاء وأهل الاختصاص في كل فن

00:07:18.240 --> 00:07:20.920
ولا تُطلب من عموم الناس

00:07:20.920 --> 00:07:25.360
ففيهم العالم والجاهل والعاقل والسفيه

00:07:25.360 --> 00:07:27.120
فطالب الاستشارة

00:07:27.120 --> 00:07:34.199
لا بد أن يُفرِّق بين المختص وغير المختص في الشأن الذي يطلب الاستشارة فيه

00:07:34.199 --> 00:07:39.589
وخاصة في القضايا التي تمسّ حياة الناس عموما

00:07:39.629 --> 00:07:44.149
وهذا بخلاف ما يُسمّونه الفكر الديمقراطي

00:07:44.149 --> 00:07:50.589
فإن الديمقراطية لا تُفرِّق بين العاقل والسفيه والعالم والجاهل

00:07:50.589 --> 00:07:55.269
ويدخل في المجالس النيابية بعض الجهال والسفهاء

00:07:55.269 --> 00:07:59.949
الذين يتكلمون في قضايا تمسّ مصير الشعوب

00:07:59.949 --> 00:08:05.430
فلا إلى الله اتجهوا ولا إلى شعوبهم أحسنوا

00:08:05.430 --> 00:08:11.230
وطلب الاستشارة ليس قاصرا على قضايا الأمة الكبيرة فقط

00:08:11.230 --> 00:08:15.750
بل تدخل الاستشارة في كثير من مسائل الحياة

00:08:15.750 --> 00:08:20.019
لأن رأي الاثنين خير من رأي الواحد

00:08:20.019 --> 00:08:26.620
ولذلك وجّه الله سبحانه وتعالى الزوجين إلى التشاور في قضايا الأسرة

00:08:26.620 --> 00:08:29.860
فقال سبحانه وتعالى

00:08:29.899 --> 00:08:36.299
والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين

00:08:36.299 --> 00:08:42.259
لمن أراد أن يتمّ الرضاعه

00:08:42.259 --> 00:08:51.019
وعلى المونود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف

00:08:51.019 --> 00:08:55.740
لا تُكلّف نفسٌ إلا وسعها

00:08:55.740 --> 00:09:06.049
لا تُضارّ والدة بولدها ولا مولود له بولده

00:09:06.049 --> 00:09:10.159
وعلى الوارف مثل ذلك

00:09:10.159 --> 00:09:21.740
فإن أراد فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما

00:09:21.779 --> 00:09:30.539
وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم

00:09:30.539 --> 00:09:38.340
إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف

00:09:38.340 --> 00:09:48.100
واتقوا الله وعلموا أن الله بما تعملون بصين

00:09:48.100 --> 00:09:52.539
فهذا نظام الرضاعة الذي نص الله عليه في كتابه

00:09:52.539 --> 00:09:54.779
وبيّن تفاصيله

00:09:54.779 --> 00:10:01.019
لا تستطيع المرأة أن تفطم رضيعها إلا بعد التشاور مع زوجها

00:10:01.019 --> 00:10:06.139
فإذا كان التشاور قد أرشد الله إليه في فطام الصبي

00:10:06.139 --> 00:10:12.779
ففي القضايا الكبيرة في الأسرة من باب أولى أن يتشاور فيها الزوجان

00:10:12.779 --> 00:10:18.899
فلا يصلح في الأسرة أن يستبد الرجل برأيه من غير استشارة الزوجة

00:10:18.940 --> 00:10:28.820
كما لا يصلح للزوجة أن تستبد برأيها في موضوعات الأسرة وتربية الأطفال من غير استشارة الزوج

00:10:28.820 --> 00:10:34.779
وقد تستشير الأسرة طرفا آخر من خارج الأسرة لتصلح أوضاعها

00:10:34.779 --> 00:10:38.899
وتحمي كيانها من التفكك أو الانكسار

00:10:38.899 --> 00:10:45.850
وكل هذا حسن إذا صلحت النوايا وأحسن اختيار المستشار

00:10:45.889 --> 00:10:49.450
لقد بيَّنت ملكة سبع مبدأا آخر

00:10:49.450 --> 00:10:57.129
وهو أن قراراتها في مملكتها لا تصدر من غير الطلاع العقلاء وكبار القوم عليها

00:10:57.129 --> 00:11:02.929
فقالت ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون

00:11:02.929 --> 00:11:08.210
وهذا مبدأ مهم في حياة الدول والمجتمعات والأسر

00:11:08.210 --> 00:11:12.370
أن تصدر القرارات بعلم الناس ومشاورتهم

00:11:12.370 --> 00:11:19.669
لا أن يفاجأ الناس بقرار يمس حياتهم من غير علم منهم ولا ينفعهم

00:11:19.669 --> 00:11:22.350
قال أبو زهرة رحمه الله

00:11:22.350 --> 00:11:28.389
جمعت قومها واتخذت خطابها مع أشرافهم وذوي الرأي فيهم

00:11:28.389 --> 00:11:35.620
الذين يولون ويعزلون وقالت لهم أفتوني في أمري

00:11:35.620 --> 00:11:37.779
وأضافت الأمر إليها

00:11:37.779 --> 00:11:43.259
إذ هي المسؤولة عنهم والمخاطبة بأمر القوم عنهم

00:11:43.259 --> 00:11:50.379
وأخبرتهم أنها لا تبت في أمر وتقطع فيه برأيها منفردة دونهم

00:11:50.379 --> 00:11:54.940
ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون

00:11:54.940 --> 00:11:59.740
حتى تشهد الأمر وتعاينوه ونكون معا

00:11:59.740 --> 00:12:02.340
والنون نون الوقاية

00:12:02.340 --> 00:12:04.980
ويا ألم تكلم محذوفة

00:12:04.980 --> 00:12:07.659
أي حتى تشهدوني

00:12:07.700 --> 00:12:10.059
أي حتى تحضروا معي

00:12:10.059 --> 00:12:16.789
وأتبادل الأمر معكم لنعرف ما يكون فيه خيركم

00:12:16.789 --> 00:12:20.230
هذه هي طريقة ملكة سبأ

00:12:20.230 --> 00:12:24.309
ولا عجب أن ملكها قومها عليهم

00:12:24.309 --> 00:12:27.710
فمن كانت هذه طريقته في الحكم

00:12:27.710 --> 00:12:33.919
يحب ويطاع ويتبع ويحما ملكه

00:12:33.919 --> 00:12:39.059
ولكن ما رأي قومها بعد هذا العرض

00:12:39.100 --> 00:12:42.860
نكمل في لقاء قادم إن شاء الله

00:12:42.860 --> 00:12:47.470
والحمد لله رب العالمين

00:12:47.470 --> 00:12:53.870
قصة ملكة سبأ مع نبي الله سليمان عليه السلام
