قصة ملكة سبأ أفتوني في أمري بعد أن قرأت ملكة سبأ على قومها الكتاب قالت لهم يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون كلمات مختصرة دلت على مستوى عقل وذكاء ملكة سبأ إضافةً إلى ما سبق وبينناه في الحلقة السابقة لقد احتوت هذه الكلمات على عدة أمور منها استشارة القوم وعبرت عنها بطلب الفتيا وطريقة إصدارها للقرارات في مملكتها وكسب قلوب شعبها وتواضع ملكة سبأ قال السعدي رحمه الله فمن حزمها وعقلها أن جمعت كبار دولتها ورجال مملكتها وقالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري أي أخبروني ماذا نجيبه به وهل ندخل تحت طاعته وننقاد أم ماذا نفعل ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون أي ما كنت مستبدة بأمر دون رأيكم ومشورتكم لقد سلكت ملكة سبأ ومسلك العقلاء من الملوك والرؤساء الذين لا يستبدون برأيهم ولا يهملون عقلاء شعوبهم فيستشيرونهم في أمور العامة والخاصة قال القشيري رحمه الله أخذت في المشاورة كما تقتضيه الحال في الأمور العظام فإن الملك لا ينبغي أن يكون مستبدًا برأيه ويجب أن يكون له قوم من أهل الرأي والبصيرة إن مسلك المشاورة قد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم فقال سبحانه وتعالى لنبيه فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضًا غليظ القلب لن فضوا من حولك فأعفو عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين فطبق ذلك عليه الصلاة والسلام في حياته فاستشار أصحابه في غزوة بدر وأحد والخندق واستشارهم في حادثة الإفك التي تعرض فيها للطعن في عرضه وزوجه عائشة أم المؤمنين واستشارهم في مسائل كثيرة عرضت عليه في حياته فكيف يليق بمن يدعي محبته والسير على طريقته أن يترك هذا المسلك العظيمة في الوصول إلى الرأي السديد إن استشارة العقلاء لها أثر كبير في قلوبهم وقلوب عامة الناس فمن عرف عنه الاستشارة في مصالح عموم الناس يحب ويطاع ويلتف الناس حوله ويدعمون ملكة قال الزمغشري رحمه الله والمراد بالفتوى ها هنا الإشارة عليها بما عندهم فيما حدث لها من الرأي والتدبير وقصدت بالانقطاع إليهم والرجوع إلى استشارتهم واستطلاع آرائهم استعطافهم وتطيب نفوسهم ليمالئوها ويقوموا معها ولا يقدم على طلب الاستشارة في أموره كلها إلا المتواضع أما المتكبر فلا يستشير أحدا لأنه يعظم نفسه ورأيه ويحتقر غيره ويسفه رأيه ولذلك تنفر منه القلوب وينفض عنه الناس ويخالف الهدي النبوي ويخسر في الدنيا والآخرة ولو أن الملوك والرؤساء سلكوا مسلك استشارة العقلاء لاجتمعت القلوب عليهم ووقفت الشعوب معهم في المحن الكبيرة ولكن المشكلة الحقيقية بين الزعماء والشعوب هي الاستبداد بالرأي والسير على طريقة فرعون عندما قال ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيلاً رشاد قال ابن كثير رحمه الله قال فرعون لقومه رادًا على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد الذي كان أحق بالملك من فرعون ما أريكم إلا ما أرى أي ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي وقد كذب فرعون فإنه كان يتحقق صدق موسى عليه السلام فيما جاء به من الرسالة قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وقال الله تعالى وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا فقوله ما أريكم إلا ما أرى كذب فيه وافترى وخان الله تبارك وتعالى ورسوله عليه السلام ورعيته فغشهم وما نصحهم وكذا قوله وما أهديكم إلا سبيلاً رشاد أي وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد وقد كذب أيضًا في ذلك وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه قال الله تبارك وتعالى فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد وقال جلت عظمته وأضل فرعون قومه وما هدا وفي الحديث ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة 500 عام والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب هذا الاستبداد بالرأي لا يوصل إلى الرأي السديد في مواجهة الأحداث التي تتعرض لها الممالك والدول بل هو علامة من علامات سقوط الدول لأن الاستبداد سببه الكبر واحتقار الناس وازدراؤهم وتسفيه آرائهم وطغيان في الأرض وهذا مآله إلى زوال والاستشارة لا تُطلب إلا من العقلاء وأهل الاختصاص في كل فن ولا تُطلب من عموم الناس ففيهم العالم والجاهل والعاقل والسفيه فطالب الاستشارة لا بد أن يُفرِّق بين المختص وغير المختص في الشأن الذي يطلب الاستشارة فيه وخاصة في القضايا التي تمسّ حياة الناس عموما وهذا بخلاف ما يُسمّونه الفكر الديمقراطي فإن الديمقراطية لا تُفرِّق بين العاقل والسفيه والعالم والجاهل ويدخل في المجالس النيابية بعض الجهال والسفهاء الذين يتكلمون في قضايا تمسّ مصير الشعوب فلا إلى الله اتجهوا ولا إلى شعوبهم أحسنوا وطلب الاستشارة ليس قاصرا على قضايا الأمة الكبيرة فقط بل تدخل الاستشارة في كثير من مسائل الحياة لأن رأي الاثنين خير من رأي الواحد ولذلك وجّه الله سبحانه وتعالى الزوجين إلى التشاور في قضايا الأسرة فقال سبحانه وتعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتمّ الرضاعه وعلى المونود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تُكلّف نفسٌ إلا وسعها لا تُضارّ والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارف مثل ذلك فإن أراد فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله وعلموا أن الله بما تعملون بصين فهذا نظام الرضاعة الذي نص الله عليه في كتابه وبيّن تفاصيله لا تستطيع المرأة أن تفطم رضيعها إلا بعد التشاور مع زوجها فإذا كان التشاور قد أرشد الله إليه في فطام الصبي ففي القضايا الكبيرة في الأسرة من باب أولى أن يتشاور فيها الزوجان فلا يصلح في الأسرة أن يستبد الرجل برأيه من غير استشارة الزوجة كما لا يصلح للزوجة أن تستبد برأيها في موضوعات الأسرة وتربية الأطفال من غير استشارة الزوج وقد تستشير الأسرة طرفا آخر من خارج الأسرة لتصلح أوضاعها وتحمي كيانها من التفكك أو الانكسار وكل هذا حسن إذا صلحت النوايا وأحسن اختيار المستشار لقد بيَّنت ملكة سبع مبدأا آخر وهو أن قراراتها في مملكتها لا تصدر من غير الطلاع العقلاء وكبار القوم عليها فقالت ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون وهذا مبدأ مهم في حياة الدول والمجتمعات والأسر أن تصدر القرارات بعلم الناس ومشاورتهم لا أن يفاجأ الناس بقرار يمس حياتهم من غير علم منهم ولا ينفعهم قال أبو زهرة رحمه الله جمعت قومها واتخذت خطابها مع أشرافهم وذوي الرأي فيهم الذين يولون ويعزلون وقالت لهم أفتوني في أمري وأضافت الأمر إليها إذ هي المسؤولة عنهم والمخاطبة بأمر القوم عنهم وأخبرتهم أنها لا تبت في أمر وتقطع فيه برأيها منفردة دونهم ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون حتى تشهد الأمر وتعاينوه ونكون معا والنون نون الوقاية ويا ألم تكلم محذوفة أي حتى تشهدوني أي حتى تحضروا معي وأتبادل الأمر معكم لنعرف ما يكون فيه خيركم هذه هي طريقة ملكة سبأ ولا عجب أن ملكها قومها عليهم فمن كانت هذه طريقته في الحكم يحب ويطاع ويتبع ويحما ملكه ولكن ما رأي قومها بعد هذا العرض نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين قصة ملكة سبأ مع نبي الله سليمان عليه السلام