قصص الأنبياء قصص الأنبياء عليهم السلام صلاة الله عقبها سلام على خير الخلائق أجمعي أولو عزمين مقامهم رفيع قصة أيوب عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد في أرض حوران من بلاد الشام كان هناك رجل من خيرة الرجال أوحى الله إليه فصار نبيا وأسبغ عليه من النعمة فصار غنيا إنه أيوب من ذرية إسحاق ابن إبراهيم عليهم السلام كان أيوب عليه السلام من أجمل الناس هيئة وأقواهم بنية آتاه الله من جميع أصناف المال فكانت له أراض ومزارع وأنعام وعبيد هذا عد الأموال الكثيرة من الذهب والفضة وإضافة إلى ذلك الأولاد فكثر أبناؤه واجتمعوا حوله سندا وعزا وكان عليه السلام مستجاب الدعوة فإذا أراد حاجة من الله سجد وطلبها منه فيعطيه الله تعالى حاجته وفوق هذا كله آتاه الله العلم والحكمة وامتنع عليه بالنبوة فكان من المصطفين الأخيار قال النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتل الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلبا اشتد به بلاؤه وإن كان في دينه رقه أبتلي على قدر في دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة لذا فقد ابتلى الله تعالى الأنبياء بأنواع البلاء ليمتحن صبرهم ويرفع في درجاتهم فصبروا وثبتوا ومن هؤلاء أيوب عليه السلام فقد ابتله الله تعالى بفقد أهله كلهم حيث رأى ابناؤه الأربعة عشر يموتون أمام عينيه واحدا تل والآخر حتى أصبح وحيدا فريدا وفقد كل ماله فتحول من حياة اليسر إلى حياة العسر والفقر وبتلاه الله في جسده بأنواع الأمراض حتى قيل أنه لم يبقى من جسده سليما إلا لسانه وقلبه وطال به البلاء كثيرا حتى مل منه الناس فتركوا زيارته ولم يبقى معه إلا زوجته المؤمنة الصابرة المحتسبة ظلت معه طيلة ثمانية عشر عاما هي مدة البلاء التي عاشها أيوب عليه السلام فكانت تقوم على خدمته ورعايته وقضاء حوائجه وتعمل عند الآخرين لتطعم نفسها وتأتي بالطعام لزوجها المريض كان أيوب عليه السلام خلال هذه الفترة لا يتوقف لسانه عن ذكر الله وحمده وشكره صابرا محتسبا فقيل له الله أن يشفيك فقال أستحي أن أسأل الله ذلك حتى تكون سنوات مرضي مثل سنوات عافية وكان لأيوب عليه السلام أخوين من أخص إخوانه يأتيانه في الصباح والمساء يسألان عنه ويمضيان فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين فقال له صاحبه وما ذاك قال منذ كذا عام وهو مريض لم يرحمه ربه فيكشف عنه فلما دخل على أيوب عليه السلام لم يصبر الرجل حتى ذكر له ما قال صاحبه فقال أيوب لا أدري فقال غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيحلفان بالله فأعظم ذلك منهما فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق تعبت امرأة أيوب عليه السلام فقد كبرت سنها ورق عظمها وما عادت تجد من تعمل عنده لينفق عليها وفي ذات يوم لم تجد طعاما ترجع به إلى زوجها فلم تجد بد من أن تبيع ضفيرتيها مقابل المال لتشتري به طعاما لها ولزوجها فلما أبطأت عليه سألها أيوب عليه السلام عن سبب تأخرها فلم تخبر وعندما رأى معها طعاما حسنا ليس على عادة ما تأتي به شك في أمرها وحلف ألا يأكل من هذا الطعام حتى تخبره من أين أتت به عند ذلك كشفت عن رأسها وأخبرته أنها باع ضفيرتيها من أجل الحصول على الطعام فلما رأى ذلك غضب عليها وأقسم إن شفاه الله ليضربنها مئة سوط فولت المسكينة كسيرة حزينة ولما هدأت نفس نبي الله أيوب عليه السلام أحس بمرارة الحال التي وصلت إليها زوجته وكل ذلك من أجله فرفع رأسه إلى السماء وقال داعيا ربه رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين لسان حاله الضر في نفسي يا رب أصبر عليه ولكن قد وصل الضر إلى أهلي وقال أيضا رب إني أصابني الشيطان بنصب وعذاب أي أصابني بالتعب والألم الشديد وهذا من كمال أدبه مع ربه فهو لم ينسب المرض إلى الله تعالى مع أن الله هو الذي يقدر المرض والشفاء ولكنه نسب الشر والمرض إلى الشيطان تأدبا مع الله فاستجاب الله دعاءه بعث أيوب عليه السلام زوجته في حاجة له فأبطأت عليه وهو في مكانه أن يركض برجلك أي ضرب بكعب رجلك في الأرض ففعل فنبعت عين ماء بارد فأمره الله تعالى أن يشرب منها ويغتسل ففعل فذهب عنه المرض وشفاه الله فلما جاءت زوجته رأته وقد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن هيئة ومنظر فلم تعرفه فقالت له بارك الله فيك هل رأيت نبي الله المبتلى فوالله ما رأيت رجلا أشبه به منك عندما كان صحيها قال فإني أناه أنا أيوب نبي الله المبتلى فلا تسل عن فرحها بشفاء زوجها بعد هذا العمر الطويل والصبر الجميل كان لأيوب عليه السلام وعاءان أحدهما للقمح والآخر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما مقابل وعاء القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاب وأفرغت الأخرى على أعاء الشعير الفضة حتى فاضت عادت الحياة إلى بيت أيوب عليه السلام من جديد فرد الله على زوجته شبابها وعلى أيوب صحته وعافيته وأحيى الله له أولاده جميعا بعدما ماتهم وردهم إليه بأعيانهم وزاده مثلهم وأتاه الله ما هو حقيق به جزاء صبره قال الله تعالى وأيوب إذ نادى ربه أنني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وأتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا رحمة من عندنا وذكرى للعابدين بقيت مسألة تؤرق خاطر نبي الله أيوب عليه السلام وهي مسألة القسم الذي أطلقه بأن يضرب زوجته الوفية الصابرة مائة سوط كيف يفي بقسمه وكيف له أن يؤذيها بعد كل ما بذلته من أجله وهل يجوز له أن لا يفي بقسمه لكن كما قال الله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا جاء الحل من الله العزيز الحكيم تخفيفا على أيوب وزوجته دون أن يحنث في قسمه فأوحى الله إليه أن يأخذ خليطا من الأعواد يشمل الصغير والكبير والأخضر واليابس بقدر مائة عود متنوعة في الحجم والوزن ثم يضرب بها زوجته ضربة واحدة لا تؤثر فيها ولكنها تبر بيمينه ففعل أيوب عليه السلام ما أمره الله به وخرج من هذا هذا القسم قال الله تعالى واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أن مسني الشيطان بنصب وعذاب أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة مننا رحمة مننا وذكر لأولي الألباب واخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدنا هو صابرا نعم العبد إن هو أواب اغتسل أيوب عليه السلام ذات يوم عريان فأرسل الله عليه مجموعة من جراد من ذهب فقام يجمع ذلك الجراد ويضعه في ثوبه فقال له الله يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى يعني أماملأت قلبك بالقناعة فأصبحت لا تكترث بالذهب فقال أيوب عليه السلام بلى يا رب ولكن لا غنالي عن بركتك أيها الإخوة الكرام لقد جاء ذكر اسم نبي الله أيوب عليه السلام في القرآن أربع مرات وذكرت قصته مرتين في سورتين وفيها من الدروس والعبار الشيء الكثير ومن ذلك أولا أن الله تعالى مهما قدر للعبد من تقدير فإن الخير كله فيه وأنه سبحانه أرحم الراحمين وهو لطيف بعباده لم ينزل البلاء ليعذب عباده وإنما ليختبرهم فمن صبر غنم ومن جزع خسر ثانيا إن أقدار الله نافذة على جميع البشر على اختلاف منازلهم من أمبياء وصادقين وأئمة ومصلحين قال صلى الله عليه وسلم أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل رواه مسلم ثالثا إن صفوة عباد الله وهم أمبياؤه ورسله عليه السلام قلوبهم معلقة بالله وحده دعاء ورجاء وتوكل وإنابه كما قال الله تعالى إخبارا عن أيوب عليه السلام وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين رابعا حسن الأدب مع الله تعالى في الدعاء حين دعاه بقوله إني مسني الضر وكذلك قوله مسني الشيطان بنصب وعذاب فعبر بالمس أي الشيء اليسير ولم يقل أهلكني المرض أو آذاني مع أن المرض طال به ثمانية عشر عاما حتى عافه الجليس ومله الأنيس خامسا دعاء المضطر يجيبه الله تعالى كما قال أمن يجيب المضطر إذا دعاه وأيوب عليه السلام أجاب الله دعاءه فعافاه من مرضه وأتاه أهله ومثلهم معهم والله تعالى يجيب دعوة المضطر وإن كان كافرا كما قال تعالى فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلم ما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون سادسا أن الله سبحانه وتعالى جعل أيوب عليه السلام تسلية لأهل المصائب فيما ألم بهم حيث قال فيه وذكرى لأولي الألباب وقال وذكرى للعابدين ففي أيوب عليه السلام أسوى حيث ابتلي بأعظم ما يبتلى به الإنسان فصبر واحتسب حتى أتاه الفرج سابعاً قوله تعالى لأيوب عليه السلام أركض برجلك معما هو فيه من المرض فيه أهمية اتخاذ الأسباب وهو أمر شرعي أمرنا به مع الاعتماد والتوكل على الله فالله تعالى قادر على أن يخرج له الماء بدون أن يحرك رجليه ولكنه يريد منه بذل السبب للعلاج ثامناً ما بين غمضة عين وانتباهتها يبدل الله من حال إلى حالي فقد شفى الله أيوب عليه السلام من مرض السنين في لحظات فكأن شيئا لم يكن قال الشاعر يَا صَاحِبَ الْهَمِّ إِنَّ الْهَمَّ مُنْفَرِجُ أَبْشِرْ بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْفَارِجَ اللَّهُ الْيَأْسُ يَقْطَعُ أَحْيَانًا بِصَاحِبِهِ لا تيأسنَّ فَإِنَّ الْكَافِيَ اللَّهُ الله يحدث بعد العسر ميسرةً لا تجزعنَّ فإنَّ الصانعَ اللَّهُ فإذا بُليتَ فَثِقْ بِاللَّهِ وَارْضَ بِهِ إِنَّ الَّذِي يَكْشِفُ الْبَلْوَةُ هُوَ اللَّهُ والله ما لك غير الله من أحدٍ فحسبك الله في كلٍ لك الله لم تكن كفارة اليمين مشروعةً في زمن أيوب عليه السلام لذلك لم يكن له بدٌ من الإبرار بقسمه ورحم الله أمة الإسلام بكفارة اليمين عاشراً جواز الاستكثار من الحلال فقد قال أيوب عليه السلام يا رب لا غنالي عن بركتك للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين