أمنا عائشة رضي الله عنها عائشة يصيرون معهم ثم يبعثون على نياتهم من سنن الله الجارية في الأرض هلاكوا الصالحين بشؤم الأشرار إذا كثر الخبث وتفصيل ذلك أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام المصلحون والصالحون وأهل الشر فالمصلحون هم الذين يحرصون على صلاح الناس وإنقاذهم من النار بإسداء النصح لهم وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويتحملون في ذلك كل آذن يأتيهم من الناس وأما الصالحون فهم أناس لا يفعلون المنكر ولكنهم لا ينكرون على أهل المنكر بل قد ينكرون على المصلحين الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وقد ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الأصناف في قصة أصحاب السبت فقال واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون وإذ قالت أمة منهم لم تعدون قوما إلا هم أهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وآخذنا الذين ظلموا وآخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فالناس في هذه القصة ثلاثة أصناف المعتدون في السبت والذين أنكروا عليهم والذين لم يفعلوا المنكر ولم ينكروا على من فعله ولما أنزل الله العقوبة عليهم ذكر الذين نجاهم وهم الذين أنكروا المنكر وذكر الذين أهلكهم وهم الذين فعلوا المنكر وسكت عن الفريق الثالث ولم يذكر مصيرهم قال ابن كثير رحمه الله يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق فرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على استياد السمك يوم السبت كما تقدم بيانه في سورة البقرة وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنهى ولكنها قالت للمنكرة لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا أي لم تنهون هؤلاء وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم قال تعالى فلما نسو ما ذكروا به أي فلما أبلفاعلون قبول النصيحة أنجينا الذين ينهون عن السوء وآخذنا الذين ظلموا أي ارتكبوا المعصية بعذاب بئيس فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين وسكت عن الساكتين لأن الجزاء من جنس العمل فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا ولارتكبوا عظيما فيذموا ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم هل كانوا من الهالكين أو من الناجين على قولين فما مصيرهم هنا يأتي تساؤل أمنا عائشة رضي الله عنها عن هذا الفريق الثالث وهم الصالحون عندما ينزل العذاب على قرية من القرى أو مجتمع من المجتمعات فتقول عائشة رضي الله عنها يا رسول الله إن الله إذا أنزل سطوته بأهل الأرض وفيهم الصالحون فيهلكون بهلاكهم فقال يا عائشة إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون فيصابون معهم ثم يبعثون على نياتهم وأعمالهم رواه ابن حبان لقد وعد الله بنجاة الذين ينهون عن السوء من العقوبة العامة والتي تنزل بالمجتمع بسبب تمادي أهله في فعل المنكر بل وعد الله القرى بالنجاة من العذاب العام لو قام أفرادها بالإصلاح فيها فقال سبحانه فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا من من أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلنا مصلحون فإذا توقف المجتمع عن القيام بدور الإصلاح وكثر الخبث حلت العقوبة العامة ولو كان في هذا المجتمع أناس صالحون والسكوت عن المنكر أمر محرم في الإسلام فلا يجوز أن يسكت المجتمع بأكمله عن إنكار المنكرات المعلنة فيه فعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم قال لا ما صلوا قال القاضي عياب رحمه الله وقوله فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم أي من معاقبة الله له على الإقرار على المنكر وبرئ بكراهيته من الرضا والمتابعة وفيه حجة على لزوم قول الحق وإنكار المنكر وقوله ولكن من رضي وتابع ألا أن المعاقبة على السكوت على المنكر إنما هو لمن رضيه وأعان فيه بقول أو فعل أو متابعة أو كان يقدر على تغييره فتركه فأما مع عدم القدرة فبالقلب وعدم الرضا به وقال ابن النحاس رحمه الله قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا هذه الآية جارية على ألسنة كثير من الناس في مثل هذا لما غلب عليهم من الجهل بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولما استولى على قلوبهم من الركون إلى مداهنة الخلق وأيثار مودتهم وبقاء صحبتهم وثقل كلمة الحق على ألسنتهم وما يلقيه الشيطان في قلوبهم وتقدير البعيد من الضرورة قريبا واعتقاد السكوت على المنكر وجوبا وما علموا أن التهلكة هي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن النجاة هي الأمر والنهي إذ قال صلى الله عليه وسلم ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا وتقدم في حديث النعمان بن بشير فإن تركوهم وما أرادو هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا فالهلاك حقيقة هو السكوت والمداهنة والنجاة في الدنيا والآخرة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والله سبحانه وتعالى قال عن اليهود التاركين لإنكار المنكر مع علمهم به لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيس بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن كر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولها ولكن كثيرا منهم فاسقون قال الطاهر بن عاشور رحمه الله وأطلق على ترك التناهي لفظ الفعل في قوله لبئس ما كانوا يفعلون لأن السكوت على المنكر لا يخلو من إظهار الرضا به والمشاركة فيه وقال أبو زهرة رحمه الله وفي هذا النص إشارة إلى أن سبب فساد الأمم في عمومها هو السكوت على المنكر فيها والمنكر هو الأمر القبيح في ذاته وينهى الشارع عنه فمن القبيح أختي المسلمة إنكار المنكر بحجة كل له دينه أو بحجة كل إنسان مسؤول عن نفسه فهذا من تلبيس إبليس على الناس فلا تتركي إنكار المنكر فتكون سببا لهلاك المجتمع ثم تهلكين معه نكمل في رقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين مع عائشة رضي الله عنها