قصص الأنبياء .. قصص الأنبياء .. عليهم السلام قصة موسى .. عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد استمعنا في اللقاء السابق كيف ذكر لنا القرآن على وجه الدقة مجيء موسى عليه السلام إلى الواد المقدس وكيف كانت الشجرة والنار التي فيها وغير ذلك من الوصف الدقيق الذي يعلم بعضه أهل الكتاب ويجهلون بعضه كان اليهود يسمعون عرض النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الأحداث التي جرت لموسى عليه السلام في مصر ومديا وفي الواد المقدس فيجدونه مصدقا لما معهم في التوراة فيقولون كيف عرف محمد هذا وهو من الأميين وفي هذا بلا شك إثبات أن القرآن من عند الله تعالى كما قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكننا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكننا كنا مرسلين وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أعيشك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون نعود إلى قصة موسى عليه السلام من جديد حيث توجه إلى أخيه هارون في مصر وبشره بأن الله اختاره نبيا معه وأنه أرسلهما إلى فرعون وأيدهما بالآيات المعجزة وأوصاهما بالذكر الدائم له سبحانه وألا يضعفا عن ذلك فهو الزاد والقوة الحقيقية لهما وأمرهما بأن يتلطفا في الخطاب مع فرعون لعله أن يتذكر أو يخشى فقال موسى وهارون عليه السلام يا ربنا إننا نخاف من فرعون أن يستعجل في قتلنا قبل أن نبلغه رسالتك فقال لهم الله إطمئنا ولا تخافا فأنا معكما أسمع وأرى كل شي فاذهب إليه وادعواه إلى عبادتي واطلبا منه أن يكف عن عذاب بني إسرائيل وأن يرسلهم معكما وأخبراه أن العذاب على من كذب وتولى قال الله تعالى إذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري إذهب إلى فرعون إنه طغا فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قال ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغا قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ذهب موسى عليه السلام للقاء طاغية فرعون وهو رابط الجأش قوي العزيمة واثق بنصر الله وتأييده ومعه أخوه هارون عليه السلام فلما دخل على فرعون قالا له إنا رسولا ربك إليك فسألهما فرعون ومن ربكما يا موسى إدعى فرعون اللئيم أنه لا يعرف ربه فتظاهر بالسؤال عنه ووجه الخطاب إلى موسى لأنه هو الأصل في الرسالة وهارون وزيره وتابع له فأجابه موسى عليه السلام ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه اللائق به ثم هدا كل مخلوق إلى الانتفاع بما خلقه الله له قال فرعون فما حال القرون الأولى التي مضت فإنها كانت تعبد الأوثان وتنكر البعث قال موسى أعمالهم محفوظة عند الله في اللوح المحفوظ وسيجازيهم بها فيثيب المحسن ويعاقب الكافر فهو سبحانه لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء لم يؤمن فرعون ولم يلن بل جعل يعارض موسى وانتقل من الحوار إلى المن على موسى فقال له ألم ننعم عليك ونقم بتربيتك منذ كنت وليدا في مهدك ومكثت في رعايتنا سنين من عمرك وارتكبت جناية بقتلك رجلا من قومي حين ضربته ودفعته وانت من الجاهدين نعمتي المنكرين ربوبيتي فقال موسى عليه السلام فعلت ما ذكرت قبل أن يوحي الله إلي ويبعثني رسولا فخرجت من بينكم فارا إلى مديا لما خفت أن تقتلوني بما فعلت من غير عمد فوهب لي ربي تفضلا منه النبوة والعلم وجعلني من المرسلين ثم بماذا تمن علي إنما تمن به علي هو في الحقيقة نقمة وإلا فأية منة لك علي في استعبادك لقومي وأنا واحد منهم وبهذا الجواب التوبيخي أفحم موسى عليه السلام فرعون وجعله يحور الحديث عن هذه المسألة التي تتعلق بتربيته لموسى والمن عليه إلى الحديث عن شيء آخر فقال أي شيء رب العالمين الذي أنت وأخوك جئتما لتبلغاني رسالته وهذا السؤال يدل على طغيان فرعون وتجاوزه كل حد في الفجور فإن هذا السؤال يحمل في طياته استنكارا أن يكون هناك إله سواه فجاء الرد من موسى عليه السلام كما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم مؤقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون قال لإن اتخذت إله غيري لأجعلنك من المسجونين شعر فرعون بأن حجة موسى قد ألقمته حجرا فانتقل من أسلوب المحاورة إلى التهديد والوعيد وهذا شأن الطغاة في كل عصر عندما يعجزون عن دفع الحجة بالحجة فقال بثورة وغضب لإن اتخذت إله غيري يا موسى لأجعلنك واحدا من جملة المسجونين في سجني وهذا شأني مع كل من يخرج عن طاعتي وكان من عادة فرعون أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق لا يبصر فيها ولا يسمع فكان ذلك أشد من القتل قال موسى أتجعلني من المسجونين ولو جئتك ببرهان قاطع يتبين به صدقي وإنما قال موسى ذلك لأن من أخلاق الناس الإجابة إلى الحق بعد البيان لم يكن أمام فرعون إلا أن قال لموسى قال إن كنت جئت بآية فأتي بها إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين دهش فرعون وحاشيته مما رأوا من معجزات موسى عليه السلام وبدل أن ينصاعوا للحق وينقادوا إليه جحدوا بها ظلما وعلوا وقالوا هذا ساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قال الملأ من قوم فرعون وهم حاشيته وبطانة السوء أمهل موسى وأخاه إلى وقت معلوم وبعث في أرجاء مصر ونواحيها ليأتوك بكل سحار عليم وافق فرعون على هذا الاقتراح وقال لموسى أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك فلنأتينك بسحر مثله وأشد منه فاجعل بيننا موعدا محددا لا يخلفه أحد منا حتى نرى أينا أعظم سحرا فقال موسى عليه السلام موعدكم يوم عيدكم يوم الزينة في وقت الضحى واختار موسى عليه السلام هذا الموعد حتى يكون أدعى لحضور الناس وإقامة الحجة على فرعون وقومه وافق فرعون على الموعد وتم استدعاء كبار السحرة من جميع أرجاء مصر فلما حضروا على الموعد وكانوا سبعين ساحرا توجه إليهم موسى عليه السلام وقال لهم على انفراد وي لكم لا تفتروا على الله كذبا فيستأصلكم بعذاب من عنده وقد خاب من افترى فتناقش السحرة فيما بينهم سرا وقالوا ما هاذان إلا ساحران يريدان أن يغلباكم ويخرجاكم من أرضكم بسحرهما فاحزموا أمركم وأجمعوا كيدكم ثم أتوا صفا لمناجزة موسى وأخيه فقد أفلح اليوم من استعلى قال الله تعالى ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله فجعل بيننا وبينك موعدا فجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوا قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحا فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتا قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم بينهم وأسر النجوى قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلا فاجمعوا كيدكم ثم أتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلا توجه السحرة إلى فرعون وقالوا له هل لنا من أجر إذا غلبنا موسى اليوم قال فرعون نعم لكم أجر كبير وفوق ذلك سأجعلكم عندي من المقربين فرح السحرة بذلك ثم قالوا لموسى إما أن تلقي سحرك أولا يا موسى أو نكون نحن الملقين فقال لهم موسى بل ألقوا أنتم سحركم أولا فألقى جميع السحرة حبالهم وعصيهم الجميع في وقت واحد وسحروا أعين الناس فأصبحوا يرونها حيات وثعابين تتحرك أمامهم في منظر مهيب وسحر عظيم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فأحس موسى عليه السلام في نفسه خيفة لم يشك موسى عليه السلام بنصر الله له ولكنه خاف أن يتأثر الناس بهؤلاء السحرة لكثرة عددهم أو أنهم لا ينتظرون حتى يروا ما لدى موسى من المعجزات فأوحى الله إلى موسى لا تخف وألقي عصاك فستأكل ما صنعوا وتبطل سحرهم عندها قال موسى للسحرة ما جئتم به لا يعدوا كونه سحرا والله ربي سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ثم ألقى موسى عصا فمقلبت العصى إلى حية حقيقية وجعلت تلتهموا ما ألقوه من السحر والكذب الذي خدعوا به أعين الناس وليس له حقيقة أكلت عصى موسى جميع حبال القوم وعصيهم أمام مرأى فرعون والسحرة والناس جميعا وهنا وقع الحق وبطل ما كانوا يعملون وغلب فرعون ومن معه ورجعوا أذ الله صاغرين وأما المفاجأة الكبرى فكانت من السحرة فقد علموا أن هذا ليس بسحر وأنه فوق عمل السحرة أجمعين فخروا لله ساجدين وقالوا جميعا آمنا بالله رب العالمين رب موسى وهارون استشاط فرعون غضبا على السحرة وقال لهم قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقا قالوا لن نغفرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فقضي ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إننا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقا إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكا اتهمهم فرعون باتهام آخر أيضا فقال إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها وهددهم بالقتل والصلب فقالوا وقد دخل الإيمان قلوبهم لا ضرر علينا إن قتلتنا أو نفذت وعدك فينا إنا إلى ربنا لمنقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين فأصدر فرعون الظالم أوامرة فقتلوا كلهم قال ابن عباس رضي الله عنهما كانوا أول النهار سحرة وفي آخره شهداء بررة رأى السادة والكبراء من قوم فرعون أعدادا كبيرة من بني إسرائيل قد صدقوا بموسى واتبعوه فقالوا لفرعون على سبيل التهييج والإثارة أتدع موسى وقومه من بني إسرائيل ليفسد الناس في أرض مصر بتغيير دينهم بعبادة الله وترك عبادتك وعبادة آلهتك قال فرعون سنقتل أبناء بني إسرائيل ونستبقي نساءهم أحياء للخدمة وإنا عالون عليهم بقهر الملك والسلطان فلما بلغ موسى وقومه هذا التهديد والوعيد من فرعون وملئه لم يهتم موسى عليه السلام بهم بل أوصى قومه بالصبر ولوح لهم بالنصر وأطمعهم في أن يورثهم الله أرض مصر قال بني إسرائيل لموسى عليه السلام ردا على نصيحته لهم لقد أصابنا الأذى من فرعون قبل أن تأتينا يا موسى بالرسالة فقد قتل منا ذلك الجبار الكثير من أبنائنا وأنزل بنا ألوانا من الظلم والاضطهاد وأصابنا الأذى بعد أن جئتنا بالرسالة كما ترى من سوء أحوالنا بالأشغال الحقيرة المهينة قال لهم موسى عسى ربكم أن يهلك عدوكم فرعون وقومه ويستخلفكم في أرضهم بعد هلاكهم فينظر كيف تعملون هل تشكرون أو تكفرون وأوحى الله تعالى إلى موسى وأخيه هارون بعد أن لج فرعون في طغيانه وفي إنزال العذاب بالمؤمنين أن اتخذوا لقومكم المؤمنين بيوتا خاصة بهم في مصر ينزلون بها ويستقرون فيها ويعتزلون فرعون وجنده إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا واجعلوا هذه البيوت التي حللتم بها مكانا لصلاتكم وعبادتكم بعد أن حال فرعون وجنده بينكم وبين أداء العبادة في الأماكن المخصصة لها للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين كنتم مع قصص الأنبياء