أمنا عائشة رضي الله عنها يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب إن المكانة العظيمة التي حضيت بها عائشة رضي الله عنها عند النبي صلى الله عليه وسلم يسرت لها تربية نبوية عظيمة واستثمرت عائشة رضي الله عنها هذه المكانة بكثرة أسئلتها للنبي صلى الله عليه وسلم لكل ما يشكل عليها ثم حولت ذلك إلى واقع عملي التزمت فيه بهذه التربية لتكون قدوة لنساء العالمين ومن جوانب تربية النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها تحذيرها من التهاون بصغائر الذنوب وهذا التحذير نابع من نظرة بعيدة عند المربي لمن يربيه فهو ينقله من مرتبة اجتناب الكبائر إلى مرتبة الحذر من الصغائر والتي قد تهلك صاحبها تقول عائشة رضي الله عنها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله عز وجل طالبا رواه أحمد قال العيني رحمه الله والمحقرات جمع محقرة وهي الذنوب التي يحتقرها فاعلها وسبب احتقار فاعلها لها أنه يراها من الصغائر وهو مجتنب للكبائر فيطمئن نفسه بأنها ستغفر باجتنابه للكبائر وهذا من مداخل الشيطان على الإنسان ويصور ابن القيم كيف يدخل إبليس على المسلم في تهوينه للصغائر بأن يقول له ما عليك إذا اجتنبت الكبائر ما غشيت من اللمم أو ما علمت بأنها تكفر باجتناب الكبائر وبالحسنات ولا يزال يهون عليه أمرها حتى يصر عليها فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالا منه فالإصرار على الذنب أقبح منه ولا كبيرة مع التوبة والاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار وقد قال صلى الله عليه وسلم إياكم ومحقرات الذنوب ثم ضرب لذلك مثلا بقوم نزلوا بفلات من الأرض فأعوزهم الحطب فجعل هذا يجيء بعود وهذا بعود حتى جمعوا حطبا كثيرا فأوقدوا نارا وأنضجوا خبزتهم فكذلك فإن محقرات الذنوب تجتمع على العبد وهو يستهين بشأنها حتى تهلكه فالنبي صلى الله عليه وسلم في تربيته لعائشة رضي الله عنها أراد منها أن تنتبه لهاذه المحقرات فلا تقع فيها وأذا وقعت في شيء من ذلك عالجتها بتركها والاستغفار منها قال ابن بطال رحمه الله والمحقرات إذا كثرت صارت كبائر بالإصرار عليها والتمادي فيها وعلى هذا رب النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة فأثمرت هذه التربية عند الصحابة حسا مرهفا في محاسبة النفس حتى قال أنس بن مالك رضي الله عنه إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات رواه البخاري قال البخاري رحمه الله يعني بذلك المهلكات فالصحابة كانوا يناقشون موضوع صغائر ويستعظمونها مع كونهم أبعد الناس عن الكبائر قال ابن بطال رحمه الله إنما كانوا يعدون صغائر من الموبقات لشدة خشيتهم لله وإن لم تكن لهم كبائر وهذه النظرة لمستوى الذنوب التي يقع فيها المسلم نابعة من مستوى الإيمان عنده فكلما ازداد إيمانا استعظم معصية الله وكلما ضعف إيمانه استصر الثنوب ولو كانت من الكبائر والفارق بين الأمرين أنه في حال الإيمان نظر إلى عظم من عصى فاستعظم الذنب وفي حال ضعف الإيمان نظر إلى حجم المعصية فاستصرها وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحالة فقال إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا رواه البخاري ونحن اليوم في شهر فضيل يحرص فيه المسلمون على فعر الخيرات والإكثار منها كما يحرصون على صحة صيامهم من المفطرات فيسألون عن دقائق الأمور حتى تبلغ أحيانا إلى درجة الوسوسة ومع ذلك يتساهل البعض لا أقول في الصغائر فقط بل حتى في الكبائر فهل الآن الأوان لنسائنا أن يحاسبن أنفسهن في مسائل اللباس والزينة خارج البيت وهل الآن الأوان لرجالنا أن يحاسب أنفسهم في تعاملاتهم المالية مع كثرة الربا والقمار في زماننا وهل الآن الأوان لنا جميعا أن ندقق في حصائد ألسنتنا فنحفظها من الغيبة والنميمة واحتقار الآخرين نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين أمنا عائشة رضي الله عنها