خلاصة مفاهيم أهل السنة المقدمة الحمد لله رب العالمين أنهدانا للإسلام واتباع سنة سيد الأنام وما كنا لنهتدي لولا أنهدانا الله وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آل بيته الطيبين وصحبه الغر الميامين وعنا معهم بفضله وكرمه إنه سميع مجيب أما بعد فما أعظم الهداية للإيمان من نعمة وما أجزلها من هبة وما أهنأها من عيشة نقية هنية في الدنيا والآخرة قال الله عز وجل في معرض امتنانه على هذه الأمة ببعثة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لقد منى الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وامتنى علينا سبحانه بأن أكمل لنا الدين فقال اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وأكد حسن هذا الدين وأحكامه الهادية للطريق المستقيم المتضمنة في كتابه العزيز فقال إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وما أنعم الله على عبد بعد نعمة الإسلام لمثل ما أنعم عليه بفهم صحيح نقي لهذا الدين وعقائده وأحكامه وأخلاقه مصحوبا بنية صالحة قالصة لله عز وجل يقول الإمام ابن القيم رحمه الله صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما ساق الإسلام وقيامه عليهما وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهمهم وقصودهم وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد يميز به بين الصحيح والفاسد والحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشاد ويمده حسن القصد وتحر الحق وتقوى الربي في السر والعلانية ويقطع مادته اتباع الهوى وإثار الدنيا وطلب محمدة الخلق وترك التقوى وحين يرى المؤمن ما تعيشه المجتمعات الكافرة المحرومة من هذه النعمة وما هي فيه من تخبط وتناقض والطراب وشقاء يزداد حمده لله تعالى وفرحه وغبطته بما أنعم به عليه فرغم ما وصلت إليه هذه المجتمعات من ترف وعلم بظاهر من الحياة الدنيا إلا أنها تنحط وتهبط إلى السفول في أفهمها وموازينها ومعاييرها وأخلاقها ذلك أنها مقطوعة الصلة بالله عز وجل فاطر السماوات والأرض العالم بخلقه اللطيف الخبير ومقطوعة عن منهجه القويم وهدايته سبحانه ونوره الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ومن أمثلات العرب والضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتميز الأشياء وإن أعداء الإسلام من قديم الزمان رأوا ما منى الله به على المؤمنين من رسول الإسلام خير الأنام وما أنزل عليه من الكتاب المنير الهادي إلى سواء السبيل وقارنوه بما هم عليه من اطراب وشقاء فبدلا من أن يدخلوا في دين الإسلام لينعموا بمثل ما تنعم به المسلمون استكبروا على الحق وحسدوا المسلمين على هذه النعمة الجليلة التي حرموا منها وبذلوا جهدهم لحرفهم عن مفاهيم هذا الدين وشنوا عليه حروبهم العسكرية والعقدية وغير الأخلاقية طمعا في ردهم عن دينهم قال تعالى ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق وتوارثوا هذا الحقد والنهج جيلا بعد جيل حتى عصرنا الحالي ولما يأسوا من إخراج المسلمين عن دينهم توجهوا إلى إثارة الشبهات حول مسلمات هذا الدين ومحكماته وعمدوا إلى تشويهها من خلال التلاعب بالمصطلحات والمفاهيم الشرعية وصرفها عن معانيها الصحيحة وتسميتها بغير اسمها فجاءوا بمفاهيم غربية منحرفة أفرزتها عقائدهم الكفرية فأضحت مفاهيم مشوهة تبع لمصدرها الجاهلي البشري المشوة ولسائل أن يسأل عن أسباب هذه الفروق العظيمة بين مفاهيم الإسلام النقية السامقة العادلة ومفاهيم الكفر وأهله المتسمة بالظلم والانحطاط والتلوث والاضطراب في الموازين والأحكام ونحسب أن المتأمل في المنهج الرباني وخصائصه وسماته وفي المنهج البشري الجاهلي وصفاته لن يجد عناء في الإجابة على هذا السؤال المطروح ومع ذلك فيمكن حصر الإجابة عليه في الأمور الآتية أولا إن مفاهيم الإسلام ربانية المصدر قرآنية المنطلق فلا جرم جاءت عادلة كاملة شاملة متوازنة نقية ومنزهة عن كل صفات النقص لأنها من الله عز وجل العليم الخبير ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير المبرأ من كل نقص السالم من الظلم والهوى والجهل العالم بما يصلح لعباده في معاشهم ومعادهم العالم بما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون وعلى العكس من ذلك فمفاهيم الجاهلية صادرة عن هذا الإنسان الضعيف المحدود زمانا ومكانا صاحب الهوى والجهل والظلم والطريان المنبت عن ربه وعبادته فلا جرم أن جاءت مفاهيمه وتصوراته متصفة بصفاته حيث الجهل والنقص والظلم والتناقض والاضطراب وعدم التوازن ثانيا إن أي مفهوم يطرح للناس محكوم بعقيدة من يطرحه في إله الكون وفي الكون نفسه وفي الحياة والإنسان والغاية من خلقه ومصيره بعد الموت فكل مفهوم هو مقتضى هذه العقيدة أو التصور وانعكاس لها حسنا أو قبحا سواء بسواء ولأن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو الذي يمدنا نحن المسلمين بالفهم والتصور عن إلهنا رب هذا الكون وخالقه وعن الكون والإنسان والغاية من خلقه ومصيره فهو الفهم الحق الذي يعطين الإجابات اليقينية على كل ما سبق بخلاف الكافرين الذين لم ينعموا بعقيدة الإسلام فتصوراتهم ومفاهيمهم لا تنتج إلا عن زبالات أذهانهم ونحاتات أفكارهم فهي تتيه في بحر من الظلمات والجهل فضلت وشقت وأضلت وأشقت ثالثا وبناء على ما سبق فالفرق الثالث والمهم بين المفاهيم الربانية والمفاهيم البشرية الجاهلية هو الفرق بين التوحيد والشرك فلا تستوي مفاهيم العابد لله وحده المتبرئ من الشرك وأهله ومفاهيم الكافر المنقطع عن ربه عز وجل وشرعه قال تعالى وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور وكل إناء بما فيه ينضح رابعا وكذلك لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ولا ينظر ما وراءها لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة ولا يتفقان في حكم واحد على حدث أو حالة أو شأن من الشؤون فلكل منهما ميزان ولكل منهما زاوية للنظر ولكل منهما ضوء يرى عليه الأشياء والأحداث والقيام والأحوال هذا يرى ظاهرا من الحياة الدنيا وذاك يدرك ما وراء الظاهر من روابط وسنا ونواميس شاملة للظاهر والباطن والغيب والشهادة والدنيا والآخرة والموت والحياة وهذا هو الأفق البعيد الواسع الشامل الذي ينقل الإسلام البشرية إليه ويرفعها إلى المكان اللائق بالإنسان الخليفة في الأرض خامسا ولئن كانت مفاهيم المسلمين تتباين وتختلف عن مفاهيم الكفار كما سبق بناء على فهم كل فريق لحقيقة الربوبية والألوهية والكون والحياة والإنسان فإنه يوجد أيضا اختلاف في مفاهيم أهل الفرقة الناجية من المسلمين عن مفاهيم الفراق المبتدعة كالخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة وذلك لاختلاف مصادر الاستدلال عند الفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة عن تلك التي لدى هذه الفراق المبتدعة معما بينهم أيضا من اختلاف في المفاهيم وكذلك حصل الاختلاف في مفاهيمهم لاختلاف عقائدهم وقد يحدث اختلاف في بعض المفاهيم بين منهم في دائرة أهل السنة بسبب الاختلاف في فهم الواقع والأحوال التي يعيشونها فيحدث ذلك اختلافا في انزال الأحكام على الأحوال مع الاتفاق على أصل المفاهيم لدى الجميع يقول الإمام ابن القيم رحمه الله وهو يبين ركني الفهم الصحيح ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق الا بنوعين من الفهم أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر فلا بد إذن حتى يكتمل الفهم الصحيح من فهم الواقع المعاصر واستبانة سبيل المجرمين وإلا حصل الخلل في الفهم لعدم تحقيق المناط ومعرفة الأحوال ويبقى عائق آخر خطير يحول بين العبد وتطبيق الفهم الصحيح ألا وهو الهوى وتغليب الدنيا على الآخرة إذ قد يكون الفهم شرعيا وصحيحا وموافقا لمفاهيم أهل السنة مع فقه بالواقع ولكن بسبب رغبة أو رهبة يترك العبد هذا الفهم الصحيح متعمدا ويقدم عليه مفاهيم خاطئة أو تطبيقات منحرفة نسأل الله السلامة والثبات على الحق ومما سبق يمكن إجمال أسباب حراف المفاهيم واختلافها فيما يلي أولا الكفر أو الشرك بالله عز وجل وذلك يسبب انحرافات كلية في المفاهيم والموازين والأحكام والمواقف لأن صاحبه مقطوع عن الله عز وجل وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ومقطوع عن اليوم الآخر والإيمان الحق به ويلحق بهؤلاء أهل البدع المكفرة المخرجة من الملة ثانيا البدعة غير المكفرة وذلك يسبب انحرافات جزئية تنعكس على بعض المفاهيم في الاعتقاد أو العبادة أو السلوك وإن كان أصحابها من أهل القبلة وعندهم حق وباطل ثالثا الجهل بالواقع وبسبيل المجرمين فهذا وإن كان المتصفون به من أهل السنة إلا أن جهلهم هذا ينعكس على بعض الأخطاء والانحرافات في بعض المفاهيم بسبب الخلل في تنزيل الأحكام الحوا وحب الدنيا وذلك يتسبب في ترك الفهم الصحيح أو الانحراف في تطبيقه عن عمد وهوا بعد معرفته ورسوخه لكل ما سبق تتبين لنا الأهمية القصوى لتصحيح المفاهيم والتحذير من خطورة التلاعب بها ومن العدول عن المصادر الربانية للفهم الصحيح إلى مفاهيم أهل الكفر والنفاق والبدع والأهواء بدلا من ذلك وتلقيها بجهل أو هواء ولذا فإن من أوجب الواجبات على العلماء والدعات الذين أدركوا هذا الخطر أن يهبوا لإنقاذ الأمة بإذن الله تعالى من ظلمات المفاهيم المنحرفة إلى نور المفاهيم القرآنية الربانية وأن يؤصلوا للناس هذه المفاهيم النقية ويبين عوار المفاهيم الجاهلية وانحرافها ويردوا على الشبهات التي يستخدمها المضللون للتلبيس بها على الناس ومن أجل ذلك قام إخوان لكم من طلبة العلم الذين يهمهم هذا الشأن ويؤرقهم فبذلوا وسعهم في إخراج خلاصة للمفاهيم الإسلامية النقية وفق منهج أهل السنة وكما دلت عليها نصوص الكتاب والسنة مع التعرض للمفاهيم المخالفة المنحرفة المغلوطة وتفنيدها والرد عليها لبيان فسادها وكان من المراجع في ذلك الكتب المهتمة بتصحيح المفاهيم وبيان القواعد الشرعية التي تحكمها ككتب شيخ الإسلام بن تيمية وتلميذه بن القيم وتفسير السعدي رحمهم الله جميعا وبعض الكتب المعاصرة التي تعنى بهذا الشأن ويوثق في منهجها وسلامة عقيدة أصحابها ولكن لما كان الاختصار والتصرف في الصياغة هو الغالب على هذا العمل لم نحل على هذه المراجع إلا في مواطن قليلة حيث حاولنا اختصار كل مفهوم بحيث يكون في ثلاثة أو أربعة أسطر أو لا يتجاوز نصف صفحة في أغلبها إلا في بعض المفاهيم القليلة التي قد يضطرنا توضيحها إلى التفصيل الذي قد يوصل المفهوم إلى صفحة كاملة أو يزيد وقد بلغ عدد مفاهيم هذه القلاصة ألفا ومائتين وخمسين مفهوم موزعة على ثلاثة عشر بابا واجعلنا للمفاهيم رقما عاما متسلسلا من أولها إلى آخرها ورقما آخر خاصا بكل باب أو عنوان جامع وأبواب هذه القلاصة هي على النحو الآتي مفاهيم في العقيدة مفاهيم في العبادة مفاهيم في العلم والفق مفاهيم في أعمال القلوب وأمراضها مفاهيم في الزهد والورع والسلوك إلى الله مفاهيم في الأخلاق والآداب مفاهيم في التربية والأسرة مفاهيم في الدعوة مفاهيم في الجهاد مفاهيم في السنن الإلهية مفاهيم في الفتن مفاهيم في السياسة مفاهيم في الثقافة الإسلامية وآخيراً فإننا لا نزعم أننا قد استوعبنا جميع المفاهيم ولكننا بذلنا ما في وسعنا وركزنا على ما نرى أنها مفاهيم ضرورية أو غائبة أو مغلوطة ولعل الله أن يأتي بمن يكمل النقص ويسد الخلل ونسأله عز وجل الإخلاص في القول والعمل والحمد لله رب العالمين خلاصة مفاهيم أهل السنة