خلاصة مفاهيم أهل السنة المقصود بالإيمان بالرسل الإيمان بالرسل هو التصديق الجازم بأن الله تعالى أرسل رسله وأنبياءه لتبليغ دينه إلى البشر وهدايتهم إليه وأنهم صادقون فيما يبلغونه عن ربهم عز وجل وهو يقتض الإيمان بكل ما أخبر به الله عز وجل عنهم في كتابه أو على لسان رسوله المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم كما يقتض التصديق بأسماء من ذكروا بالاسم أما من لم يذكر اسمه أو تفصيل قصصه مع قومه فنؤمن به إجمالا كما قال تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقُصُصْ عَلَيْكَ الأنبياء والرسل المذكورون في القرآن الكريم بأسمائهم خمسة وعشرون نبيا ورسولا ثمانية عشر منهم ذكروا في موضع واحد في سورة الأنعام إضافة إلى ذكرهم في آيات أخرى عديدة وآيات سورة الأنعام هي وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيا وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين أما السبعة الباقون فهم آدم وإدريس وهود وصالح وشعيب وذلكفل وآخرهم نبينا محمد صلى الله عليهم أجمعين فأما آدم عليه السلام فذكر نحو خمس وعشرين مرة ومن ذلك قول الله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين وأما إدريس عليه السلام فذكر مرتين منهما قول الله تعالى واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا وأما هود عليه السلام فذكر نحو سبع مرات منها قول الله تعالى وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم عبد الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون وأما صالح عليه السلام فذكر نحو تسع مرات منها قول الله تعالى وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم عبد الله ما لكم من إله غيره وأما شعيب عليه السلام فذكر نحو عشر مرات منها قول الله تعالى وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم عبد الله ما لكم من إله غيره وأما ذلكفل عليه السلام فذكر مرتين منهما قول الله تعالى وإسماعيل وإدريس وذلكفل كل من الصابرين وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فذكر باسمه الصريح خمس مرات أربعة منها باسم محمد والخامسة باسم أحمد فمن ذلك قول الله تعالى ما كان محمد أبى أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما وقول الله تعالى وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعد اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين دعوة الأنبياء والرسل واحدة وأين اختلفت شرائعهم من الإيمان بالرسل الإيمان بأن دعوتهم واحدة فكل رسول دعا قومه إلى عبادة الله وحدة واجتنا بالشرك بالله قال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن نعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت وقال النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء إخوة من علات وأمهاتهم شتاء ودينهم واحد متفق عليه والإخوة من علات هم الإخوة من أب واحد وأمهاتهم مختلفة فهذا تشبيه المقصود منه بيان أن دين الرسل والأنبياء واحد وهو إسلام العبادة لله وتوحيده وأين اختلفت شرائعهم في الأحكام الفقهية العملية بناء على ما يناسب كل قوم وزمانهم إلى أن جاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم للناس كافة إلى قيام الساعة بالدين نفسه وبالشريعة المحمدية الخاتمة والمناسبة لكل زمان بعده ولكل مكان الفرق بين الرسول والنبي اشتهرت مقولة ان الرسول هو من أوحي إليه وأمر بالتبليغ أما النبي فهو من أوحي إليه لكنه لم يؤمر بالتبليغ وتلك مقولة غير دقيقة ولا صحيحة والصواب أن الرسول هو من أرسله الله فهو مرسل برسالة الإسلام وشريعة جديدة ورسالته يكون ضدها قوم كفار مكذبون بها أما النبي فهو المنبئ عن الله فهو قد نزل عليه الوحي من الله ليدعو قومه إلى عبادة الله وحده وفق شريعة أنزلها الله على رسول قبله فهو مبعوث إلى قوم يؤمنون برسالة رسول قبله مثال ذلك أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يحكمون قومهم ويسوسونهم وفق أحكام التورات التي أنزلت على موسى عليه السلام قال تعالى إنا أنزلنا التورات فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا وعلى هذا فكل رسول النبي وليس كل نبي رسولا والجميع مأمورون بتبليغ دعوة الله إلى قومهم رسل الله بين المفاضلة وعدم التفريق بينهم من الإيمان بالرسل الإيمان بأنهم أفضل البشر وأنهم يتفاضلون كما قال تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض وأفضلهم أول العزم من الرسل وهم الخمسة المذكورون في قوله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسا أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه وأفضل أول العزم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو أفضل البشر قاطبة كما قال صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع رواه مسلم وأما عدم التفريق بين الرسل كما ورد في قول الله تعالى لا نفرق بين أحد من رسله وغيرها من الآيات فالمقصود به عدم التفريق بينهم بالإيمان ببعضهم والكفر ببعض آخر كما ورد صريحا في قوله تعالى إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يثرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا فالكفر برسول واحد يعد كفرا بجميع الرسل إذ هو في حقيقته كفر بالرسالة من الله فركن الإيمان بالرسل يقتض الإيمان بهم جميعا وعدم التفريق بينهم في ذلك وأما نسبة قول لا تفضلوني على يونس بن متى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فلا تصح ولا يعرف لذلك أصل مرفوع فهو ليس بحديث وقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية كذب محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين قال الله تعالى ما كان محمد أبى أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما فقال وخاتم النبيين ولم يقل وخاتم الرسل وما ذاك إلا لأن ختم النبوة يقتضي ختم الرسالة بناء على أن كل رسول النبي وليس كل نبي رسولا فلو قيل خاتم الرسل لأمكن أن يدعي مدعن النبوة استنادا إلى أن ختم الرسل لا يقتضي ختم منهم أدنى منهم درجة وهم الأنبياء من لوازم الإيمان بالرسل من لوازم الإيمان بالرسل محبتهم وإجلالهم وتوقيرهم وتصديقهم في كل ما أخبروا به عن الله عز وجل والإيمان بأن الله اصطفاهم لرسالته لعلمه سبحانه بصلاحهم واستحقاقهم لذلك كما قال تعالى الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير وقال تعالى الله أعلم حيث يجعل رسالته ومن لوازم الإيمان بالرسل أيضا عدم الغلو فيهم وعدم تنصيبهم في مرتبة أعلى من مراتب البشر كعبادتهم من دون الله أو إشراكهم معه في العبادة كما فعل النصارة بعيسى عليه السلام فالواجب الاقتصار في تعظيمهم على مرتبة البشرية فهم مع شرفهم وعلو منزلتهم عبيد لله عز وجل مربوبون له وقد بلغوا مرتبة الكمال في العبودية له سبحانه وكفى بذلك شرفا وقد وصف الله عز وجل رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم بوصف العبد في أشرف المواقف قال تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقص الذي باركنا حوله من لوازم الإيمان برسولنا صلى الله عليه وسلم خاصة إضافة إلى ما سبق في حق الرسل يلزمنا في حق رسولنا خاصة أولا طاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر ثانيا ألا نعبد الله الا بما شرعه الله لنا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ثالثا أن ننصح له كما قال صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم رواه مسلم كيف يكون النصح للرسول صلى الله عليه وسلم الشيء الناصح هو الخالص تقول عسل الناصح أي خالص فالنصح للرسول صلى الله عليه وسلم يكون بالإخلاص في توفيته حقه أي توفيته حقه خالصا تاما وذلك يكون بالآتي أولا تعظيمه وتوقيره كما قال تعالى فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبع النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون أي عظموه ووقروه ثانيا اتباع أمره وعدم التقدم بين يديه ومعارضته بقياس ولا عقل ثالثا الاقتداء به في هديه وأخلاقه رابعا الزب عن سنته والإنكار على من يدين بخلافها خامسا ألا نجعل قبره وثنا وذلك امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم لا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم رواه أحمد وأبو داود صحيح لغيره سادسا ألا نغلو فيه برفعه فوق مرتبة العبودية لله فقد قال صلى الله عليه وسلم لا تطروني كما أطرت النصار ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله رواه البخاري سابعا أن نحب من كانت له صلة به من قرابة أو صحبة ومات على الإيمان من لوازم تعظيم رسولنا صلى الله عليه وسلم تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ليس ادعاء مجردا من الالتزامات بل هو واجب يترتب عليه العديد من اللوازم والتبعات تشمل كل ما ذكر من لوازم الإيمان بالرسول عامة من محبة واجلال وتصديق ما أخبروا به وتشمل كل ما ذكر من لوازم الإيمان به صلى الله عليه وسلم من طاعته فيما أمر به واجتنى بما نهى عنه وزجر وعدم عبادة الله إلا وفق ما شرع وتشمل كل ما ذكر في النصح للرسول صلى الله عليه وسلم من عدم التقدم بين يديه ومعارضة قوله بقياس أو عقل أو ذوق أو سياسة والاقتداء به في هديه واتباع سنته والذب عنها والإنكار على من يخالفها وحب من كان له به صلة من قرابة أو صحبة من المؤمنين وتشمل عدم رفع الصوت في مسجده وعند قبره صلى الله عليه وسلم فذلك هو التطبيق العملي الحالي لقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون وتشمل تقديم محبته على محبة النفس والأهل والولد فحين قال عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي أجابه صلى الله عليه وسلم بقوله لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال عمر فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي فقال صلى الله عليه وسلم الآن يا عمر رواه البخاري وكما قال صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده والده والناس أجمعهم متفق عليه وتشمل الصلاة عليه عند ذكره امتثالا لقول الله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما مظاهر تعظيم الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم ودلائلها لتعظيم الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم مظاهر ودلائل عديدة لعل من أهمها أولا رفع الله ذكره كما قال عز وجل ورفعنا لك ذكرك ومن هذا الرفع قر نسمه صلى الله عليه وسلم به سبحانه في شهادة التوحيد واجعل ذلك يكرر في كل أذان وكل صلاة ثانيا الصلاة عليه والأمر بها كما قال تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ثالثا أخذوا الله له العهد على جميع الأنبياء باتباعه لو بعث فيهم قال تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنون به ولتنصرونه قال أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين رابعا إعلام أهل الكتاب بصفته قبل مبعثه قال تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم خامسا قتم النبوة والرسالة به قال تعالى ما كان محمد أبى أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما سادسا عموم رسالته صلى الله عليه وسلم قال تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين سابعا أقسم الله تعالى بحياته صلى الله عليه وسلم ولله وحده القسم بما يشاء على ما يشاء قال تعالى لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ثامنا تكفل الله بحفظه والدفاع عنه قال عز وجل إنا كفيناك المستهزئين وقال تعالى والله يعصمك من الناس إلى غير ذلك من الآيات تاسعا ربط الله تعالى محبته باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم من نواقض الإيمان بالرسل للإيمان بالرسل نواقض عدة من أهمها أولا تكذيبهم أو إنكار وجود أي واحد منهم لأن ذلك تكذيب لخبر الله عز وجل في كتابه ثانيا سبهم أو الاستهزاء بهم أو الاستخفاف بأقوالهم وأحوالهم أو الدعاء الأفضلية عليهم ثالثا الدعاء النبوة بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أو تصديق من ادعى ذلك رابعا الدعاء أن النبوة أو الرسالة تحصل باجتهاد الشخص وتأمله وترويض نفسه للوحي خامسا معاداتهم وبغضهم ولو واحد منهم فقط ومحبة أعدائهم وتوليهم سادسا الدعاء أن مع النبي صلى الله عليه وسلم شريكا في الرسالة أو النبوة كما يزعم بعض الروافض الغلاة سابعا رفع أي رسول إلى منزلة الألوهية وإشراكه مع الله في العبادة ثامنا الدعاء أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حق لكنها خاصة بالعرب وليست للناس كافة تاسعا رد شيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم قبوله رغم علمه أنه من سنته صلى الله عليه وسلم وذلك بخلاف من قصر في الالتزام بأوامره وضعف عن الامتثال بعد إقراره به بسبب شهوة أو هوا نفس فهذه معصية وليست ناقضا من نواقض الإيمان دور العقل والآيات أي المعجزات في الإيمان بالرسل يقتصر العقل في مجال الإيمان بالرسل على النظر في سيرهم وحسن عبادتهم لربهم والنظر في مصداقية الآيات والمعجزات التي جاءوا بها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة متفق عليه وعلى هذا فدور العقل مع القرآن الكريم فيما يتعلق بالإيمان بالرسل هو تدبره وتصديق خبره عن الرسل جميعا وكل ما ورد في حقهم وتطبيق ما ورد باتباعهم والاقتداء بهديهم فلا بد إذن لتصديق أي رسول أو نبي من الجمع بين النظر في سيرته والنظر فيما يظهر على يده من معجزات وخوارق والأمر الخارق وحده لا يكفي إذ قد يجعله الله على يد أحد الكفار فتنة له ولمن يتبعه بسبب مخالفتهم لشرع الله وهديه وذلك كما يحدث على يد المسيح الدجال آخر الزمان من خوارق مع أنه مكتوب بين عينيه كافر يقرأها كل مؤمن بالله أما حين يخبر من تظهر على يده آية أو معجزة إن كان قبل نبينا صلى الله عليه وسلم أنه نبي مع حسن سيرته وعبادته لله فهو حينئذ مصدق ومعجزته دليل على صدقه ضلال كل من الفلاسفة والمتكلمين في مسألة النبوات النبوة كما أسلفنا هي الوحي الإلهي لبشر وقد ظل في تلك المسألة فريقان أولا الفلاسفة حيث جعل النبوة أمر مكتسبا يحصله المرء باجتهاده وترويض نفسه وكثرة تأمله وقضوا باستحالة الوحي من الله لأحد من البشر ثانيا المتكلمون وقد أرادوا رد زعم الفلاسفة بالعقل المجرد على طريقتهم المعهودة في تقديم العقل على النص فانطلقوا من تقسيمهم الثلاثي للعقليات الواجب العقلي والمستحيل العقلي والجائز العقلي فإذا كان الفلاسفة قد جعل النبوة التي هي بمعنى الوحي من قسم المستحيل العقلي فقد جعلها المعتزلة من قسم الواجب العقلي وجعلها الأشاعرة من قسم الجائز العقلي وسبب ضلالهم جميعا في مسألة النبوات هو تقديمهم العقل على النص وتحكيمه فيه والقول الفصل هو أن النبوة مع جوازها عقلا فقد دل عليها ما أسلفناه من النظر في حسن سيرة النبي وعبادته لربه والنظر في صدق المعجزة التي معه وأن الله قد أيده بها عصمة الرسول والأنبياء يناقش في مسألة عصمة الأنبياء والرسل هل يمكن للنبي أو الرسول الوقوع في شيء من معصية الله كبيرة كانت أو صغيرة أم أن ذلك محال في حقهم وهم معصومون منه فبعض الفراق يثبت العصمة للأنبياء والرسل من كل شيء حتى من الإتيان بما هو خلاف الأولى لأنه لو جاز عليهم الوقوع في شيء من ذلك لجاز عليهم الوقوع في الكذب على الله وهو محال وفرق أخرى تنفي العصمة عن الأنبياء بإطلاق حتى جوزوا عليهم الوقوع في الشرك والكبائر وأهل السنة والجماعة ينفون عن الرسل والأنبياء أي خطأ في التبليغ عن الله كما ينفون عنهم الوقوع فواحش إجماعا ولكن يقولون إنه قد يقع منهم ما يعاتبهم الله عليه لأنهم بشر والكمال لله وحده ولكن لا يقرهم الله على ما استوجب العتاب ويقلعون عنه ويستغفرون منه ويكونون باستغفارهم وتوبتهم أعلى مرتبة مما كانوا قبله وذلك كما نصى الله يجل على صدور المعصية من آدم عليه السلام ثم أوجب المدح له والثناء عليه بتوبته منها وبين أنه أضحى بذلك من المجتبين المهديين قال تعالى وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدا عصمة الأنبياء بين أهل السنة الفرق الأساس بين أهل السنة وأهل البدعي في مسألة عصمة الأنبياء هو أن أهل البدعي كعادتهم حكموا عقولهم القاصرة في هذه المسألة ودفعهم ذلك إلى رد ما ورد من أحاديث الآحاد فيها أما الآيات فألجأهم تواترها وعدم إمكان ردها إلى تأويلها بتأويلات جزافية مجاوزة لحدود وليتوافق مع السياق الواردة فيه بأي وجه أما أهل السنة فيعرفون للرسل والأنبياء قدرهم ويفقهون معاني الآيات والأحاديث ودلالاتها على وجهها الصحيح دون تعسف وتحريف وأصل الخطأ في المسألة هو تحكيم أهل البدعي قوانينهم العقلية في الأمور الاعتقادية وصوغ القضايا الاعتقادية في قوالب عقلية جامدة وقاصرة فإنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة نص يقرر القاعدة العقلية التي تزعم أن كل نبي معصوم من كل ذنب بل هي قاعدة وضعها أهل الكلام للرد على القاعدة العقلية القاصرة الأخرى التي وضعها منكر النبوات وهي إذا جاز الذنب الواحد جاز عليه كل ذنب وهذا مجرد الدعاء باطل يرده صريح القرآن الكريم الذي يثبت الوقوع في شيء من ذلك للعديد من الأنبياء والرسل مثل آدم ونوح وموسى وداود وسليمان ويونس ومحمد صلى الله عليهم جميعا وسلم تسليما القول الفصل هو أن جز وجل هو الذي عصم أنبياءه ورسله وهو الذي شاء لهم أحيانا أن يقعوا فيما يوجب عتابهم ثم توبتهم لحكم عظيمة أرادها سبحانه مثل إثبات بشريتهم وإظهار تمام عبوديتهم لله في مقام الإنابة والتوبة وما يترتب على ذلك من حكم تربوية وليس لنا نحن البشر أن نعقب على حكم الله أو نرد بعض أمره ببعض خلاصة مفاهيم أهل السنة