خلاصة مفاهيم أهل السنة معنى العبادة العبادة هي الغاية من خلق المكلفين قال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وهذا يستلزم أن تكون حياتهم كلها لله وبالله كما قال تعالى قل إن صلاتي ونسكي ومحيايا ومماتي لله رب العالمين فليست هناك أعمال للدنيا منقطعة عن الآخرة وأعمال أخرى للآخرة تقضى في غير الحياة الدنيا بل إنه طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة فمن عبد الله وحده في هذا الطريق في كل أعماله وصل في الآخرة إلى الجنة ونعم المآل ومن خالف العبادة وتركها في الطريق أوصله طريقه إلى جهنم عياذا بالله لذا فقد عرفت العبادة من حيث ما يتعبد به بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة كما عرفت العبادة من حيث حال العابد بأنها كمال المحبة والإجلال لله تعالى مع كمال الذل والخضوع له سبحانه فإن أحببته ولم تخضع له سبحانه فلست له بعابد وكذلك إن خضعت له بلا محبة فلست له بعابد حتى تكون محبا خاضعا إطلاق مسمى العبادة على الشعائر التعبدية إطلاق مسمى العبادة على الشعائر المختلفة من صلاة وزكاة وصيام وحج هو من باب المعنى الخاص لها لأن تلك الشعائر التعبدية هي أعظم أنواع العبادات وهي مع النطق بالشهادة أركان الإسلام كما أن العبادة تطلق بمعنى آخر خاص على الدعاء لأنه لبها وأهم غاياتها كما ورد في الحديث الدعاء هو العبادة رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والتقسيم كتب الفقه إلى قسم العبادات وقسم المعاملات إنما هو تقسيم نصطلاحي مدرسي الغرض منه تسهير العلم على طلابه وتقسيمه على مراحل دراسية ضرر حصر معنى العبادة في الشعائر التعبدية من يحصر معنى العبادة في الشعائر التعبدية فقط فسيقصر حتما في طاعته لربه سبحانه وإذا قلت له إن ذلك يخالف عبوديتك لله سيجيبك بأنه قد أدى ما عليه من عبادة وصلاة وأنه حاليا في تدبير لأمر حياته ومعاشه وكأنه لم يسمع أو يفهم قول الله تعالى السابق ذكره قل إن صلاتي ونسكي ومحيايا ومماتي لله رب العالمين كما سيترتب أيضا على حصر معنى العبادة في الشعائر التعبدية فقط الخلل والتقصير في أداء هذه الشعائر نفسها وما يرجى من ثمارها فستصبح الصلاة حركات آلية خالية من الخشوع ولا تنهى عن الفحشاء والمنكر بل رب من شغل فيها بالتفكير في تدبير حياته لأنه لم يفهم أن الخشوع وهو عمل قلبي من العبادة وأن ترك الفحشاء والمنكر من العبادة وسيصبح الصيام إمساكا عن الطعام والشراب يفتر بعده على ما يتخم معدته ويسلي نفسه بزعمه خلال صيامه وبعده بمشاهدة الفوازير والمسلسلات الهابطة ويطلق نظره فيما حرمه الله ولن يحقق صيامه التقوى المرجوة منه وسيؤدي زكاة ماله ثم لا يبالي بعدها إنما التجارته وأمواله من الربا والمعاملات المحرمة لأنه لم يفهم أن ترك ذلك هو من العبادة التي هي أن تكون حياته كلها لله ووفق مراده سبحانه وكذلك فإن حصر معنى العبادة في الشعائر التعبدية هو الباب الذي يدخل منه العلمانيون وأضرابهم في جعل العبادة علاقة خاصة بين العبد وربه فحسب ولا دخل لها في سائر شؤون الحياة من اقتصاد وسياسة وشؤون المرأة والأسرة والمعاملات بين الناس الاجتهاد في الشعائر التعبدية والإخلاص فيها الاجتهاد في الشعائر التعبدية بصدق وإخلاص يعين على إتمام العبادة بمفهومها الشامل بأن تكون حياة المرء كلها لله فالشعائر التعبدية ليست بمعزل عن السلوك الاجتماعي أو الأخلاقي في الحياة بل الترابط بينهما وثيق وهي زاد المرء في طريق العبادة الشاملة فالله سبحانه بعد أن أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالقرار في البيت ونهاهن عن تبرج الجاهلية الأولى وتلك أمور سلوكية اجتماعية أمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وفي ذلك إشارة إلى دور الشعائر التعبدية في الإعانة على أداء الأوامر السلوكية والأخلاقية وارتباطه بها قال تعالى وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة وأطعنا الله ورسوله والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر قال تعالى وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وعبادة الدعوة إلى الله يعين عليها قيام الليل وتلاوة كتاب الله قال تعالى يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا إننا سنلقي عليك قولا ثقيلا فكان الاعداد للقول الثقيل والتكليف بالدعوة هو قيام الليل وترتيل القرآن العبادة والخلافة في الأرض الخلافة في الأرض وإعمارها كما أراد الله عبادة لله يجب أن يكون الحكم فيها والتحليل والتحريم لله تعالى وحده ولهذا لما قصر فهم عدي بن حاتم رضي الله عنه عن هذا المعنى وكان نصرانيا قبل اسلامه تعجب من قول الله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وقال يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم فقال صلى الله عليه وسلم أجل ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه فتلك عبادتهم لهم رواه الترمذي وحسنه الألباني ترك عبودية الله عبودية لغيره من ترك عبوديته لله سبحانه وقع حتما في عبودية ما سواه من شيطان أوثن أو هوا نفس أو شهوة مال إلى آخر ذلك قال الله تعالى عن عبادة الشيطان ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبد الشيطان إنه لكم عدو مبين وأني عبدوني هذا صراط مستقيم وقال تعالى عن الشرك وعبادة غيره من الأوثان والآلهة المزعومة واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا وقال تعالى عن عبادة الهوا أرأيت من اتخذ إله هواه أفأنت تكون عليه وكيلا وقال صلى الله عليه وسلم تعيس عبد الدينار تعيس عبد الدرهم تعيس عبد الخميصة تعيس عبد الخميلة تعيس وانتكس وإذا شيك فلن تقش رواه البخاري العبودية لله عز وشرف العبودية لله عز وشرف عز وشرف يستحقه كل من أتى بها على وجه التمام والكمال لذا فقد وصف بها أصدق العابدين وأكرمهم على الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هذا الوصف له في أعلى المقامات وأرقاها مقام الإسراء قال تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقص الذي باركنا حوله كما وصف بها في مقام نزول الوحي تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا شروط قبول العبادة من شروط العبادة الإخلاص والمتابعة فالإخلاص أن تكون العبادة خالصة لله وحدة كما قال تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء والمتابعة أن يكون العمل موافقا للسنة كما قال صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد رواه البخاري ومسلم فمن خالف في إخلاص العبادة وقع في الشرك وهو نوعان أكبر مضاد للتوحيد وأصغر كالرياء والسمعة ومن خالف في متابعة السنة في عبادته وقع في الابتداع والإخلاص والمتابعة مجموعان في قول الله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا فقوله فليعمل عملا صالحا أي موافق للسنة غير مبتدع وقوله ولا يشرك بعبادة ربه أحدا أي يجعل عبادته خالصة لله تعالى فلا بد من إفراد الله بالعبادة وإفراد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمتابعة وهناك شرط آخر أساس لقبول العبادة وهو أن تكون من موحد غير مشرك بالله يزعم بعض غلات المتصوفة أن العبادة تسقط عن أولياء الله الذين يبلغون درجة اليقين بزعمهم ويأخذون ذلك من فهمه مستقيم لقول الله تعالى وعبد ربك حتى يأتيك اليقين مع أن اليقين هنا هو الموت وذلك بإجماع المفسرين وهو كما في قول الله تعالى حكاية عن قول الكفار وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتان اليقين وهل هناك من هو أكثر يقينا في إيمانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ظل يعبد الله حتى وافته المنية وخرج على الصحابة في مرض موته وهم يصلون فصلى بهم فلا ينفك العبد عن العبودية لله ما دام في دار التكليف لله على الخلق عبوديتان عامة وخاصة فالعبودية العامة هي عبودية القهر والملك وهذه لاختيار لأحد فيها فالكل ملك لله وتحت إرادته وهي المعنية في قول الله تعالى إن كل من في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبدا وقوله تعالى ومن الله يؤذي ومن الله يريد ظلما للعباد وقوله تعالى إن الله قد حكم بين العباد إلى غير ذلك من الآيات التي تفيد أن الخلق كلهم عبيد ربوبية الله تعالى وهي عبودية لا يؤجرون عليها ولا يخرج عنها أحد أما العبودية الخاصة فهي عبودية أهل محبته وطاعته وهي المعنية في قول الله تعالى يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون وقوله تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونى وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وقوله تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلى غير ذلك من الآيات وأهل هذه العبودية هم عبيد إلهية الله تعالى ويؤجرون عليها فالخلق كلهم عبيد ربوبية الله سبحانه وأهل طاعته وبلايته هم عبيد إلهيته التفاضل بين العبادات الأساس في التفاضل بين العبادات هو ما يقوم في قلب العبد أثناء العبادة من الإخلاص والمحبة والخوف والرجاء والعمل على مرضات الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته فأفضل العبادات وقت الجهاد هو الجهاد وإن آل إلى ترك الأورادي من صلاة ليل وصيام نهار إلى آخر ذلك وأفضل العبادات وقت حضور الضيف هو القيام بحقه وإن أشغل ذلك عن الورد المستحب وأفضلها وقت السحر الاستغفار كما قال تعالى وبالأسحار هم يستغفرون وهكذا فلكل وقت وحال عبادته ووظيفته كما أن التفاضل في العبادات والأعمال الصالحة محكوم أيضا بالقواعد الآتية أولا الفرائض مقدمة على النوافل وأفضل منها عند الله تعالى كما في الحديث القدسي وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افتربته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه رواه البخاري فالفرائض مقدمة والنوافل مكملة ثانيا القليل الدائم خير من الكثير المنقطع كما قال صلى الله عليه وسلم وإن أحب الأعمال إلى الله عز وجل أدومها وإن قل رواه البخاري ومسلم القوة والاجتهاد في العبادة قال الله تعالى واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب أي صاحب القوة في الطاعة والعبادة فهو أواب أي كثير الإنابة والرجوع إلى الله والتضرع إليه وهذا يقتضي أن يسعى المرء لتحصيل أسباب قوة العبادة وألا يركن إلى الكسر والبطالة المخلة بهذه القوة المضعفة للنفس كره العبادة والكسل في إتيانها من صفات المنافقين ذم الله المنافقين النفاق الأكبر غاية الذم وأثبت لهم الكفر قال تعالى وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالا ولا ينفقون إلا وهم كارهون وكما وصفت الآية المنافقين بالكسل في الصلاة وكره الإنفاق في سبيل الله فقد دلت بمفهومها على أنه ينبغي على العبد أن يؤدي الصلاة وهو نشيط القلب والبدن وألا ينفق في سبيل الله إلا وهو منشرح الصدر بنفقته يرجو ذخر ذلك وثوابه من الله وحده ولا يشابه المنافقين في كسلهم وكرههم للعبادة اجتهاد الكافرين في العبادة ودعاء غير الله لا يغني عنهم شيئا مهما اجتهد الكافرون في العبادة ودعاء آلهتهم فلن يغني ذلك عنهم من الله شيئا قال الله تعالى له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسق كفيه إلى الماء ليبلغ فاهو وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال فلا يغترن أحد باجتهاد الكفار في عبادتهم ولا يحسنن به مضن فإن ذلك لا يغني من الحق شيئا يتناول الإحسان أمرين رئيسين أحدهما الإحسان في العبادة وهو أعلى مراتب العبادة كما قال صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك متفق عليه وقد سأله ذلك بعد سؤاله عن الإسلام والإيمان والثاني الإحسان إلى الخلق ومنه قول الله تعالى الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيضة والعافين عن الناس والله يحب المحسنين وكمال الإحسان في الإتيان بالأمرين جميعا الإحسان في عبادة الخالق والإحسان في التعامل مع الخلق وقد اجتمع الأمران في قول الله تعالى ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين حيث دل قوله تعالى ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها على الإحسان في التعامل مع الخلق ودل قوله تعالى وادعوه خوفا وطمعا على الإحسان في عبادة الله تعالى ثم رتبت الآية على الإتيان بكل الأمرين نيل رحمة الله تعالى إن رحمة الله قريب من المحسنين فكلما كان العبد أكثر إحسانا كان أقرب إلى رحمة الله عز وجل وفي هذا من الحث على الإحسان ما لا يخفى عبادة السر عبادة الله في السر من آكد علامات الإخلاص وصلاح السرائر وكان السلف رحمهم الله يحرصون على إخفاء صالح أعمالهم من غير الفرائض وقد قال الله تعالى ادعو ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين وقال صلى الله عليه وسلم إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي رواه مسلم وقال الزبير بن العوام رضي الله عنه اجعلوا لكم خبيأة من العمل الصالح كما أن لكم خبيأة من العمل السيئ وأقوال السلف في ذلك كثيرة اقتران العبادة بالتوكل على الله والاستعانة به كثيرا ما تقترن العبادة في نصوص الوحيين بالتوكل على الله والاستعانة به كما في قول الله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين وقوله تعالى فعبده وتوكل عليه وما ذاك إلا لأن العبد مفتقر إلى الله عز وجل من حيث هو المطلوب المحبوب المعبود ومن حيث هو المسؤول المستعان به المتوكل عليه فبالعبادة تتجلى ألوهية الله عز وجل وبالتوكل عليه والاستعانة به تتجلى ربوبيته ولا تتم العبودية إلا بهذين الوجهين وكما تكون الاستعانة بالله في الأمور كلها تكون من باب أو لا في العبادة نفسها بدلال تقترانها معها في الذكر في آية الفاتحة فالاستعانة بالله في العبادة تقوّل عبدا على أدائها وتقيه من العجب بعبادته ومن ظن أنها بحوله هو وقوته كما تمنع عنه الكسل واتهاون في إتيانها فمن استعان بالله في عبادته أعانه الله عليها ومن أهمل الاستعانة وكله الله إلى نفسه فأصابه الوهن والكسل وفي تقديم العبادة على الاستعانة في الذكر في آية سورة الفاتحة نكات بلاغية من أهمها أن العبادة هي غاية العباد التي خلقوا لها والاستعانة وسيلة إليها والغايات مقدمة على الوسائل تحقيق العبودية بمعرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العليا لم يذكر الله سبحانه أسماءه وصفاته في كتابه الكريم لنتعرف عليها معرفة نظرية فحسب وإنما ذكرها لنعي معانيها وحقائقها ونتدبر موجباتها ومقتضياتها في الكون وآثارها على القلب والجوارح فندعو الله تعالى بها كما قال عز وجل ولله الأسماء الحسنى فدعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون فهذا العلم وهذا الدعاء هما أكثر ما يحقق عبودية المرء لله سبحانه فعلم المرء بتفرد الرب تعالى بالنفع والضر والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإمات كل ذلك يثمر للعبد عبودية التوكل على الله باقنا ولوازم هذا التوكل ظاهرا كما تثمر الخوف منه وحده ورجاءه وحده ومحبته وتعظيمه وهكذا في سائر أسماء الله الحسنى وصفاته العليا الوسطية في العبادة العبادة في الإسلام وسط بين أهل الجفاء والتفريق فيها وأهل الغلو والرهبنة فالمفرطون في العبادة غرتهم الحياة الدنيا وتمسكوا بها ولهثوا وراءها فكانت مقاييسهم كلها مادية دنيوية وأوضح من يمثل هؤلاء اليهود الذين قال الله فيهم ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة فهم حريصون على حياة هكذا بالتنكير الذي يفيد حب الحياة أيًا كانت ولو كانت بهيمية ملؤها الغرائز والشهوات ولهذا استحقوا أن يوصفوا بكونهم المغضوب عليهم لرفضهم الامتثال للأوامر الشرعية وتحايلهم عليها من أجل مصلحتهم الدنيوية والغالون في العبادة دفعهم غلوهم إلى تحريم ما أحل الله وابتداع رهبانية كحال رهبان النصار وعبادهم الذين حرموا على أنفسهم النكاح والطيبات من الرزق ورأوا ذلك رجسًا من عمل الشيطان فردوا نعمة الله عليهم ولم يهتدوا إلى الحق في باب العبادة فاستحقوا وصف الضالين فالأولون أهل تفريق وفجور والآخرون أهل إفراط وغلو وابتداع وكل قد حذر منهم السلف ويتحصل مفهوم وسطية العبادة في الإسلام بالنظر إلى نصوص الوحيين في هذا الشأن وجمع بعضها إلى بعض للعمل ببعضها وترك بعضها الآخر فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي قال المجاهد من جاهد نفسه هو نفسه الذي قال للثلاثة الذين سألوا عن عبادته وكأنهم تقال لوها فقال أحدهم أما أنا فإني أصل الليل أبدا وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فقال صلى الله عليه وسلم أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني فحث في النص الأول على الاجتهاد في العبادة ونهى في الثاني عن الغلو فيها والرهبنة فنهجه صلى الله عليه وسلم قائم على الوسطية والتوازن بين الحقوق والواجبات وحين قال سلمان الفارسي لأبي الدرداء رضي الله عنه إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعطي كل الذي حق حقه قال صلى الله عليه وسلم صدق سلمان كما أنه صلى الله عليه وسلم أجاز من النذر ما كان مشروعا وأبطل المبتدع المرفوظ فلما رأى رجلا قائما سأل عنه فقالوا نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه رواه البخاري وهذا من وسطية العبادة من مجالات وسطية العبادة تتجل الوسطية في العبادة في مجالات عدة منها أولا التوسط في دعاء الله بين الجهر والإخفات قال الله تعالى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وبتغي بين ذلك سبيلا ثانيا عدم الاعتداء في الطهور والدعاء كما قال صلى الله عليه وسلم إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء رواه أحمد وأبو داوود وصححه ابن حجر والألباني وشعيب الأرنأوط والاعتداء في الطهور يكون بالإصراف فيه ومجاوزة الحد بسبب الوسوسة مثلا والاعتداء في الدعاء كما يكون برفع الصوت يكون أيضا بالدعاء بغير المشروع وقد قال الله تعالى أدعو ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ثالثا التوسط بين الرخصة والعزيمة من الرخصة الشرعية ولا يسترسل معها حتى يخرج بها عن المقصود الشرعي فمن المرخص شرعا مثلا تأخير صلاة الظهر في شدة الحر للإبراد بها حتى لا يمنع الحر الخشوع فيها والاسترسال في هذه الرخصة أن يبرد بالظهر ويؤخر من ثمرات العبادة تثمر العبادة بمفهومها الشامل الذي سبق بيانه ثمرات جليلة للعبد من أهمها أولا التعلق بالله وحده والافتقار إليه والاستغناء عما سواه وصدق الله تعالى إذ يقول أليس الله بكاف عبده وقال تعالى قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون ثانيا والتعلق بالله وحده يورث الشجاعة والثبات والتضحية في سبيله وطمأنينة القلب وسكون النفس وسعادتها وقد تجلت هذه الثمرة أكثر ما تجلت في صفوة الخلق من أنبياء الله ورسله كما قال نوح يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم قضوا إلي ولا تنظرون وقال هود عليه السلام فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون وقال الله تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قل ادعو شركاءكم ثم كيدوني فلا تنظرون إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ثالثا الفوز برضى الله ومحبته وجنته فمن يعمل ما يحبه الله ويرضاه وهذا هو معنى العبادة ينال بلا شك محبته ورضاه ويكون من أهل الجنة الذين يتنعمون بنعيمها وأعظمه رضوان الله ففي الحديث القدسي أن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطي أحدا من خلقك أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا يا رب وأي شيء أفضل من ذلك أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا فنص على أن رضوان الله أفضل من كل نعيم الجنة رابعا الزهد في الدنيا وإيثار الآخرة عليها خلاصة مفاهيم أهل السنة