قصص الأنبياء قصص الأنبياء عليهم السلام صلاة الله عقبها سلام على خيب الخلائق أجمعي أولو أزمين مقامهم رفيع قصة سليمان عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد كان نبي الله سليمان عليه السلام حريصا على الجهاد في سبيل الله ونشر التوحيد في الأرض وقد مر معنا دعوته لبلقيس ملكة سبأ حتى أسلمت ومر معنا استعراضه للخيل الصافنات الجياد المعدة للجهاد فلما أشغلته عن الصلاة وذكر ربه حتى غابة الشمس قام بعقرها وتقديمها طعاما للمحتاجين ثم إن سليمان عليه السلام قال لأطوفنا الليلة على مئة امرأة من نسائي كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل عليه السلام إن شاء الله لنسيانه ولا يعني هذا أنه لم يفوض الأمر لله بقلبه بل نسي أن يقول إن شاء الله بلسانه وكانت هذه الحادثة فتنة لسليمان عليه السلام من الله تعالى واختبار وبعد أن طاف لم تحمل منهن إلا امرأة واحدة وجاءت بنصف رجل فجئنا القابلات به إليه وهو جالس على كرسيه وألقينه بين يديه لكي يراه وقد أقسم نبينا صلى الله عليه وسلم على أن نبي الله سليمان عليه السلام لو استثنى في كلامه وقال إن شاء الله لرزقه الله بالفوارس المئة كما نوى وجاهدوا كلهم في سبيل الله أدرك سليمان عليه السلام خطأ وعلم أن سهوه عن ذكر الله وإرجاع المشيئة إليه هو السبب في عدم إنجاب الأبناء المجاهدين في سبيل الله فرجع تائبا إلى الله منطرحا بين يديه داعيا ربه بأن يمن عليه بالمغفرة وأن يرزقه ملكا لا يكون لأحد من بعده يستعين به على إقامة الدين في الأرض فأجاب الله دعاءه فعوضه مكان الخيل الريح الرخوة والعاصفة تحمله ومن معه إلى حيث يشاء وعوضه مكان الفرسان من سخر له الجن والشياطين تعمل له ما يريد قال النبي صلى الله عليه وسلم إنك لا تدع شيئا اتقاء الله عز وجل إلا أعطاك الله خيرا منه وقال الحسن البصري رحمه الله لما عقر سليمان الخيل غضبا لله عز وجل عوضه الله خير منها وأسرع الريح التي غدوها شهر ورواحها شهر أي أن مسيرها من أول النهار مسيرة شهر في عادة سير الناس ومسيرها في آخر النهار أيضا مسيرة شهر فتسير في اليوم الواحد مسيرة شهرين وروي أنه كان لسليمان في السلام بساط من خشب يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة والخيل والجمال والخيام والجند ثم يأمر الريح بأن تحمله فتدخل تحته ثم تحمله فترفعه وتسير به فتكون رخوة لينة إذا أراد وتكون عاصفة سريعة شديدة الهبوب بإذا أراد وتظله الطير من الحر إلى حيث يشاء من الأرض قال الله تعالى ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بنا وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا عطاؤنا فمن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفا وحسن مآب وسخر الله الجن والشياطين لخدمة سليمان عليه السلام عمالا يعملون له ما يشاء لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته فيعملون له ما يشاء من المحارب وهي الأماكن الحسنة للعبادة وصدور المجالس ويعملون له التماثيل وهي الصور في الجدران وكان هذا سائغا في شريعتهم وملتهم ويعملون له الجفان كالجواب وهي الأحواض الكبيرة التي تجمع فيها المياه فتشرب منها الحيوانات والطيور وغيرها والقدور الراسيات وهي القدور العظيمة التي يعمل فيها الطعام وهي من كبرها ثوابت لا تتحرك عن أماكنها ومن الجن والشياطين من سخره سليمان عليه السلام في البناء فيبنون له ما يشاء من الدور والقصور ومنهم من يأمره بالغوص في البحار باستخراج ما هناك من الجواهر والآل وغير ذلك مما لا يوجد إلا هناك وترك الأمر لسليمان عليه السلام بأن يمن على من يشاء منهم فيطلق سراحة أو يمسك من يشاء ومن يعصي منهم أمره فيعاقبهم سليمان في الدنيا بأن يكبلهم بالقيود وينفيهم في الجزر والبحار وفي الآخرة وذيقهم الله من عذاب السعير وكما ألان الله الحديد لداوود عليه السلام يعمل منه ما يشاء كذلك قد أسال الله لسليمان عليه السلام عين القطر وهو النحاس المذاب أسيلت له مسيرة ثلاثة أيام كما تسيل عين الماء وكانت بأرض اليمن وروي أن النحاس كان لا يذوب لأحد قبله وإنما ينتفع الناس اليوم منه بما أخرج الله تعالى لسليمان عليه السلام قال قتاد أسال الله له عينا يستعملها في ما يريد دلالة على نبوته قال الله تعالى وليسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محارب وتماسيل وجفان وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سوار المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم وحتى يلعب به ولدان أهل المدينة فذكرت دعوة أخي سليمان ربي هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فرددته خاسئا أراد الله أخذ وجل بحكمته البالغة أن يمتحنا الناس فأنزل في أرض بابل من العراق ملكين من الملائكة هما هاروت وماروت يعلمان الناس السحر وكان لا يأتيهما أحد يريد أخذ علم السحر عنهما إلا نصحاه وقالا إنما نحن فتنة فلا تكفر بتعلمك السحر منا فمنهم من يتراجع ومنهم من يتعلم منهم السحر فانتشر السحر بين الناس وكان الشياطين أيضا يعلمون الناس السحر فلما جاء سليمان عليه السلام وسخر الله له الجن والشياطين بدأ بمحاربة السحر والسحرة وكان يأخذ ما يكون معهم من علوم وكتب والأسحار وطلاس فيدفنها تحت كرسيه حيث لا تجرؤ الشياطين على الاقتراب منه فلما توفي عليه السلام استخرجت الشياطين ما تحت كرسيه وادعوا كذبا عليه بأنه كان يسيطر على الجن والشياطين بسبب هذا السحر فرموه بالكفر عياذا بالله وما زال اليهود يقومونه كافرا حتى برأه الله تعالى في القرآن الكريم قال الله تعالى واتبعوا ما تتل الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر يعلمون الناس السحر وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقول إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضار بحر به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علمون من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون كان سليمان عليه السلام يحرص على مجالس حكم أبيه داوود عليه السلام ليشهد قضاءه بين الناس وقد كان يشير أحيانا على أبيه بأنه لو كان هو القاضي في هذه القضية لحكم بغير ما حكم به وقد ذكر القرآن الكريم من ذلك قضية الحرث عندما نفشت فقال له غنم القوم وملخصها أن رجلين دخل على داوود عليه السلام أحدهما صاحب الزرع والآخر صاحب غنم فقال صاحب الزرع يا نبي الله إن غنم هذا قد دخلت في حرثي ليلا فلم تبق منه شيئا فحكم داوود عليه السلام لصاحب الزرع في خصمه في مقابل إتلافها لزرعه وعند خروجهما التقياب سليمان عليه السلام فأخبراه بحكم أبيه فقال لو كنت أنا قاضيا لحكمت بغير هذا فبلغ ذلك داوود عليه السلام فأحضره وقال له بماذا كنت تقضي قال إني رأيت ما هو أرفق بالجميع أدفع الغنم إلى صاحب الزرع لينتفع بها وأدفع الزرع إلى صاحب الغنم ليقوم عليه حتى يعود كما كان ثم يعيد كل منهما إلى صاحبه ما تحت يده فيأخذ صاحب الزرع زرعه وصاحب الغنم غنمه فأعجب ذلك داوود عليه السلام وقضى به قال الله تعالى وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرف إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين كما قص علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة أخرى من صور الحكم تلك فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كانت امرأتان معهم ابناهما جاء الذئب فذهب بابن احداهما فقالت صاحبتها إنما ذهب بابنك وقالت الاخرى إنما ذهب بابنك فتحاكمت إلى داوود فقضى به للكبر فخرجت على سليمان ابن داوود فأخبرتاه فقال ائتوني بالسكين اشقه بينهما فقالت الصورة لا تفعل يرحمك الله ابنها فقضى به للصورة وقبل وفاة سليمان عليه السلام قام بتجديد بناء بيت المقدس الذي بناه نبي الله يعقوب عليه السلام قبل ذلك بمئات السنين وكان يدخل فيه فيعتكف للعبادة والصلاة ويمكث الشهر والشهرين والسنة والسنتين وأقل من ذلك وأكثر يدخل معه طعامه وشرابه ثم إنه عليه السلام دخل المحراب ذات يوم فقام يصلي متكئا على عصاه فمات على تلك الحال ولم تعلم به الشياطين وهم في ذلك يعملون تلك الأعمال الشاقة التي كانوا يعملون في حياته وينظرون إليه يحسبون أنه حي ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطول صلاته قبل ذلك فمكثوا بعد موته يعملون أمامه حولا كاملا وهم في كامل الخوف والرهبة منه حتى أكلت الأرضة منسأته وهي عصاه التي يتكئ عليها فسقط ميتا عندها علم وأيقن الناس عند ذلك أن الجناء كانوا يكذبون عليهم بقولهم إنهم يعلمون الغيب إذ لو كانوا صادقين لعلموا بموت سليمان عليه السلام ولم يلبثوا في العذاب المهين كل تلك المدة قال الله تعالى فلما قضينا عليه الموت ما دل لهم على موته إلا دابة الأرض ما دل لهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين أيها الإخوة الكرام لقد ورد ذكر نبي الله سليمان عليه السلام في القرآن الكريم سبع عشرة مرة ولنا مع قصته العديد من الدروس والعبر من أهمها حسن تدبيره عليه السلام لشؤون دولته فقد ورث عن داوود عليه السلام خلافة إيمانية ودولة قوية ومملكة متكاملة فحافظ عليها وقواها ووسع رقعتها وضم لها بقاعا أخرى وطبق فيها شرع الله وأسعد الناس وسار بهم في طريق مرضات الله وبلغت المملكة الإسرائيلية في عهده الذروة والأوجة والقمة وبعد وفاته بدأت المملكة تضعف وبتعد الناس عن مرضات الله ساروا في طريق معصيته وانتهى الأمر بهم بزوال هذه الدولة تفقد الرعية والجند من واجبات ولاة الأمر وكذا معاقبة المخالفين منهم وعدم اتهاون في ذلك وإقامة العذر للشخص الغائب والتأني قبل إصدار الأحكام عليه كما فعل سليمان عليه السلام مع الهدهد ثبات سليمان عليه السلام على المبدأ الحق إذ لما جاءه رسول بلقيس بالهدايا قال له أتمدونني بمال فما آتاني الله خير فيتبين لنا في هذا الجواب ثباته على عقيدته ومبدأه وعدم التفاته للدنيا ومدى القوة التي كان يتمتع بها يتزداد الغيرة عنده على دين الله الذي يراد له أن يباع ويشترى بعرض من الدنيا فهو ليس من الملوك الذين تغريهم الهدية أو يثنيهم عن طلب المعالي مدح أو اطرى إذا كانت قدرة الخلق تصل بهم لأن يأتوا بعرش بالقيسة من اليمن إلى الأرض المقدسة في طرفة عين بقدرة الخالق عز وجل تسخير الجن والشياطين لا يكون لأحد من الناس بعد سليمان عليه السلام ومن ادعى ذلك فإما أن يكون كاذبا في دعواه أو أنه يتبادل معه المصالح والمنافع بعد أن يكون قد كفر بالله تعالى فيعمل السحر وتساعده الشياطين في ذلك قدم سليمان عليه السلام في دعائه طلب المغفرة على طلب الملك للإشارة إلى أنها هي الأهم عنده والدلالة على أن طلب المغفرة سبب لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا طلب سليمان عليه السلام الدنيا والملك مع حقارتهما إلى جانب الآخرة وما فيها من نعيم دائم لأنه قصد بذلك خدمة دين الله تعالى وإعلاء كلمته في الأرض والتمكن من أداء الحقوق لأصحابها ونشر العدالة بين الناس وانصاف المظلوم وإعانة المحتاج وتنفيذ شرع الله على الوجه الأكمل عدم معرفة الجن للغيب فبعد أن مات سليمان عليه السلام فهو واقف متكئ على عصاه لم تعلم الجن بموته إلا بعد أن أكلت دابة الأرض عصاه ووقع على الأرض للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين قصص الأنبياء