قصة ملكة سبى التثبت قبل إنزال العقوبة عندما غضب نبي الله سليمان عليه السلام على الهدهد بسبب تغيبه عن الجند توعد بتعذيبه أو قتله ما لم يأت بحجة مقبولة وهذه هي أخلاق النبوة فلا عقوبة بغير ذنب ولا عقوبة من غير تثبت قال تعالى وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين قال السعدي رحمه الله وفقده الهدهد يدل على كمال حزمه وتدبيره للملك بنفسه وكمال فطنته حتى فقد هذا الطائر الصغير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين أي هل عدم رؤية إياه لقلة فطنت به لكونه خفي بين هذه الأمم الكثيرة أم على بابها بأن كان غائبا من غير إذني ولا أمري فحين إذن تغيض عليه وتوعده فقال لو عذبنه عذابا شديدا دون القتل أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين أي حجة واضحة على تخلفه وهذا من كمال ورعه وإنصافه أنه لم يقسم على مجرد عقوبته بالعذاب أو القتل لأن ذلك لا يكون إلا من ذنب وغيبته قد تحتمل أنها لعذر واضح فلذلك استثناه لوراعه وفطنته وهذا من كمال العدل ألا نعاقب المذنب مباشرة بعد الغضب وإنما نترك له فرصة لبيان حجته فإن كانت مقبولة ترك وإلا عوقب بما يستحق من العذاب على ذنبه قال الطاهر بن عاشور رحمه الله فقوله أولى يأتيني بسلطان مبين جعله ثالث الأمور التي جعلها جزاء لغيبته وهو أن يأتي بما يدفع به العقاب عن نفسه من عذر في التخلف مقبول أختي الكريمة تثبتي قبل أن تنزل العقوبة على أبنائك وأعطيهم الفرصة ليدافعوا عن أنفسهم ويبينوا وجهة نظرهم وهذا التثبت هو الذي أمر الله به عباده ليتفادوا العجلة في الحكم على الناس واتهامهم فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرا كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا قال السعدي رحمه الله يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادا في سبيله وابتغاء مرضاته أن يتبينوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة فإن الأمور قسمان واضحة وغير واضحة فالواضحة البينة لا تحتاج إلى تثبت وتبين لأن ذلك تحصيل حاصل وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين ليعرف هل يقدم عليها أم لا فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة والكف لشرور عظيمة ما به يعرف دين العبد وعقله ورزانته بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها قبل أن يتبين له حكمها فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية لما لم يتثبتوا وقتلوا من سلم عليهم وأكثر ما يبعدك عن التثبت ويوقعك في ظلم أولادك ومن حولك الغضب فاستعيذي بالله من الغضب والعجلة قال الشافعي رحمه الله فأمر الله من يمضي أمره على أحد من عباده أن يكون مستبينا قبل أن يمضيه ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحكم خاصة ألا يحكم الحاكم وهو غضبان لأن الغضبان مخوف على أمرين أحدهما قلة التثبت والآخر أن الغضب قد يتغير معه العقل ويتقدم به صاحبه على ما لم يكن يتقدم عليه لو لم يكن غضب وميزان الغضب عند كثير من الأباء والأمهات مختل والسبب أنهم لا يغضبون لله وإنما يغضبون لأنفسهم ولو سألت نفسك ما الذي يدفعك إلى الغضب لنفسك وليس لله لوجدت أن النفاق الاجتماعية هو السبب والنفاق الاجتماعي هو أن يتجمل الإنسان أمام الناس بما ليس فيه ولذلك لو أخطأ ابنك بأي فعل أو تصرف أمام الناس لثارت نفسك عليه وغلى دمك وحمر وجهك وارتفع ضغطك وعلت نبرة صوتك عليه مع أن نفس الخطأ قد يقع منه في البيت ولا يصدر منك مثل ما صدر أمام الناس ومن الأمور التي تجعل الأباء والأمهات لا يتثبتون مما ينسب إلى أبنائهم استماعهم لنقد الناس لأبنائهم وتصديقهم لهذا النقد مباشرة من غير تثبت وقد يكون الناقد حاقدا أو حاسدا أو ناصحا فعلا ولكنه يضخم القضايا أو لا يعرف طبيعة النفس البشرية في عمر الطفولة والشباب فلا ينبغي التسرع في التعامل مع الأبناء بناءا على الأخبار التي نسمعها من الناس من غير تثبت وأسوأ ما يجعل الأباء يغضبون ويستعجلون في الحكم على أبنائهم ولا يتريثون ما تقوم به بعض الأمهات من استقبال الزوج بمشاكل الأولاد عند عودته من العمل مما يشحن قلبه على أبنائه وهو لا يشعر ثم يستعجل بالحكم عليهم وعقوبتهم من غير تفكير ولا تريث أختي الكريمة كما أنك بحاجة إلى التريث في الحكم على تصرفات أولادك كذلك أنت بحاجة إلى التريث في الحكم على تصرفات كل من حولك من الناس من إخوانك وأخواتك وزوجك وجيرانك تفاديا لسوء العلاقات المبنية على العجلة والغضب والرجل الأصل فيه التعقل لما رزقه الله من كمال العقل وغلبته على العاطفة فصدور العجلة منه وعدم التثبت مما يسمع وإصدار العقوبة على منهم تحت يده بظلم يعد من الصفات القبيحة والتي لا تليق بخيار الرجال فكل ما وجهت به المرأة في هذا المقال من التوجيهات فهي للرجل من باب أولى فيا أخي الكريم كن من خير الرجال وأعقلهم وكن قدوة حسنة لغيرك ولأهل بيتك في التثبت والتريث عند سماع الأخبار ولكن هل نجل هدهد من العقوبة وكيف تعامل مع هذا التهديد العظيم من نبي عظيم ملك ما لم يملكه بشر على وجه الأرض نكمل في رقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين قصة ملكة سبأ مع نبي الله سليمان عليه السلام