قصة معاناة المرأة في زمن موسى عليه السلام معاناة المرأة في العمل خارج البيت لما رأى موسى مشهد البنتين وتجنبهما للسقاية مع الناس توجه اليهما متسائلا ومتعجبا من صنيعهما فقال ما خطبكما قال ابن جرير الطبري رحمه الله قال موسى للمرأتين ما شأنكما وأمركما تذودان ما شيتكما عن الناس هل لا تسقونها مع مواشي الناس وقال الطاهر ابن عاشور رحمه الله فلما رأى موسى المرأتين تمنعان أنعامهما من الشرب سألهما ما خطبكما وهو سؤال عن قصتهما وشأنهما إذ حضر الماء ولم يقتح ما عليه لسقي غنمهما وكان الجواب العظيم والذي فيه درس وعبرة لكل فتاة اليوم تريد العمل خارج البيت قالت لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير قال ابن كثير رحمه الله أي لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء وقال الألوسي رحمه الله تعالى كأنهما قالت إن مرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم وما لنا رجل يقوم بذلك وأبونا شيخ كبير السن قد أضعفه الكبر فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يقضي الناس أو طارهم من الماء فبيّنت سبب الابتعاد عن السقياء بعدم الرغبة في مزاحمة الرجال والاختلاط بهم ثم أتبعت ذلك ببيان العذر الذي أخرجهما إلى العمل خارج البيت فقالت وأبونا شيخ كبير قال ابن كثير رحمه الله أي فهذا الحال الملجئ لنا إلى ما ترى وقال الطاهر ابن عاشور رحمه الله وكان قولهما وأبونا شيخ كبير اعتذارا عن حضورهما للسقي مع الرجال لعدم وجدانهما رجلا يستقي لهما لأن الرجل الوحيد لهما هو أبوهما وهو شيخ كبير لا يستطيع رود الماء لضعفه عن المزاحمة وقال الشعراوي رحمه الله معنا إذن في هذه القصة أحكام ثلاثة لا نسقي حتى يصدر الرعا أعطت حكما وأبونا شيخ كبير أعطت حكما فسقى لهما أعطت حكما ثالثا وهذه الأحكام الثلاثة تنظم للمجتمع المسلم مسألة عمل المرأة وما يجب علينا حينما تضطر المرأة للعمل فمن الحكم الأول نعلم أن سقيا الأنعام من عمل الرجال ومن الحكم الثاني نعلم أن المرأة لا تخرج للعمل إلا للضرورة ولا تؤدي مهمة الرجال إلا إذا عجز الرجل عن أداء هذه المهمة وأبونا شيخ كبير أما الحكم الثالث فيعلم المجتمع المسلم أو حتى الإنساني إذا رأى المرأة قد خرجت للعمل فلا بد أنه ليس لها رجل يقوم بهذه المهمة فعليه أن يساعدها وأن ييسر لها مهمتها وأذكر أنني حينما سافرت إلى السعودية سنة خمسين وتسعمائة وألف ركبت مع أحد الزملاء سيارته وفي الطريق رأيته نزل من سيارته وذهب إلى أحد المنازل وكان أمامه طاولة من الخشب مغطاة بقطعة من القماش فأخذها ووضعها في السيارة ثم سرنا فسألته عن ما يفعل فقال من عاداتنا إذا رأيت مثل هذه الطاولة على باب البيت فهي تعني أن صاحب البيت غير موجود وأن ربة البيت قد أعدت العجين وتريد من يخبزه فإذا مر أحدنا أخذه فخبزه ثم أعاد الطاولة إلى مكانها وفي قوله تعالى لا نسقي حتى يصدر الرعاء إشارة إلى أن المرأة إذا اضطرت للخروج للعمل وتوفرت لها هذه الضرورة عليها أن تأخذ الضرورة بقدرها فلا تختلط بالرجال وأن تعزل نفسها عن مزاحمتهم والاحتكاك بهم وليس معنى أن الضرورة أخرجت المرأة لتقوم بعمل الرجال أنها أصبحت مثلهم فتبيح لنفسها الاختلاط بهم إن المعاناة التي واجهتها المرأة في مدينة عند خروجها إلى العمل خارج البيت تتمثل في أمرين اثنين الأول معاناة الاختلاط بالرجال الثاني معاناة طبيعة العمل الذي خرجت تمارسه أما المعاناة الأولى وهي الاختلاط بالرجال فقد دلت نصوص القرآن والسنة على حرمة اختلاط النساء بالرجال في الأعمال فمن هذه الأدلة قصة هاتين البنتين فإنهما على حاجتهما للسقياء إلا أنهما لم يقترب من الرجال فانزوا يا بشكل واضح حتى لفت ذلك نظر نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام ومنها قوله تعالى وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى فأمر سبحانه بالقرار في البيوت لما في ذلك من صيانة المرأة وإبعادها عن وسائل الفساد ولأن المرأة التي لا تقر في بيتها معرضة للاختلاط بالرجال بسبب كثرة خروجها فاختار الله لها أن تقر في البيت ليقل احتكاكها بالرجال ولذلك أعقب الأمر بالقرار في البيوت بالنهي عن التبرج لأن كثرة الخروج من البيت توقع المرأة في التبرج ومنها قوله تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهم من جلابيبهم ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما فأمر الله عز وجل نساء المؤمنين بإدناء الجلابيب عليهن إذا أردنا الخروج والهدف من ذلك ظاهر وهو حجبهن عن الرجال فإذا كنا قد حجبنا عن أعين الرجال باللباس فكيف يسوق أن يختلطن بالرجال في أنشطة المجتمع العامة والتي لا تخلو من تكشفهن والطلاع الرجال على النساء والوقوع في الفتنة بهن ومنها قوله سبحانه قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أذكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضظن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها فأمر الله المؤمنات بما أمر به المؤمنين من غض البصر وحفظ الفرج وبدأ بالأمر بغض البصر لأنه الوسيلة المؤدية إلى حفظ الفرج فمن غض بصره كان أولى بحفظ فرجه ومن أطلق بصره من رض نفسه للوقوع في الفاحشة ولا يشك عاقل أن الميادين المختلطة لا يسلم المرء فيها من النظر إلى الطرف الآخر وهي أكثر الميادين التي تقع فيها فاحشة الزنا فدلت هذه الآية بمفهومها على حرمة الاختلاط ومنها قوله تعالى وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن قال ابن كثير رحمه الله أي هذا الذي أمرتكم به وشرعته لكم من الحجاب أطهر وأطيب فيفهم من ذلك أن الاختلاط ليس أطهر لقلوب الرجال والنساء بل هو أفسد لقلوبهم جميعا فالعمل المختلط فيه معاناة كبيرة للمرأة من عدة جوانب منها معاناة في غضها لبصرها ومعاناة في ضبط مشاعرها ومعاناة في الحفاظ على طهارة قلبها ومعاناة في عدم إفسادها لقلب الرجل ومعاناة في التزامها باللباس الشرعي الذي يرضي ربها ومعاناة في ضبط حديثها وطريقة كلامها فهل استطاعت المرأة العاملة في ميادين الرجال تخطي هذه المعاناة نكمل في لقاء القادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين قصة معاناة المرأة في زمن موسى عليه السلام