قصص الأنبياء .. قصص الأنبياء .. عليهم السلام قصة موسى .. عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد انتهت قصة فرعون الطاغية بغرقه في البحر وهلاك جنده الذين أطاعوه معه وانتهت فترة حكمه الجائر الذي أساء فيه للعباد والبلاد فكل ظالم وله نهاية الله يمهل ولا يهمل وكان هلاكه أمام أعين بني إسرائيل لتكون لهم فيه عبرة ويرو قدرة الله سبحانه وتعالى فيثقو به حدثت لبني إسرائيل بعد نجاتهم من فرعون وجنده عدة أحداث أثبتها القرآن الكريم والسنة النبوية تستحق الوقوف عندها من تلك الأحداث العجيبة لأنهم بعد أن عبروا البحر الذي غرق فيه عدوهم والذي ما زالت رماله عالقة بنعالهم مروا على قوم يعبدون الأصنام لقد كان المتوقع منهم أن يحتقروا ما شاهدوه وأن ينفروا مما أبصروه لأن العهد لم يطلبهم منذ أن كانوا يسامون سوء العذاب في ظل عبادة الأصنام عند فرعون وقومه ولأن نجاتهم مما كانوا فيه من ظل وهوان قد تمت على يد نبيهم الذي دعاهم إلى توحيد الله تبارك وتعالى لكي يزيدهم من فضله ولكن طبيعة بني إسرائيل المعوجة لم تفارقهم فالإيمان لم يستقر في قلوبهم وما ألفوه من عبادة الأصنام أيام استعباد فرعون لهم ما زال متمكنا في نفوسهم ومسيطرا على عقولهم فطلبوا من موسى عليه السلام أن يجعل لهم صنما يعبدونه كما يصنع هؤلاء الوثنيون هكذا عدوى الأمراض تصيب النفوس كما تصيب الأبدام وهكذا طبيعة بني إسرائيل ما تكاد تهتدي حتى تضل وما تكاد ترتفع حتى تنحط وما تكاد تسير في طريق الاستقامة حتى ترتكس وتنتكس وفي قولهم لموسى عليه السلام إجعل لنا إلها كما لهم آلهة بصيغة الأمر أكبر دليل على غباء عقولهم وسوء أدبهم لأنهم لو استأذنوه في اتخاذ صنم يعبدونه كغيرهم لكان شأنهم أقل غرابة ولكن الذي حصل منهم أنهم طلبوا منه وهو نبيهم الداعي لهم إلى توحيد الله تعالى والملقذ لهم من عدوهم الوثني الجبار أن يقوم هو بنفسه بصناعة صنم لهم لكي يعبدوه وهنا غضب عليهم موسى عليه السلام غضبا شديدا وهو الغضوب بطبيعته لربه ودينه فرد عليهم ردا قويا فيه توبيخ لهم وتعجب من قولهم بعد أن رأوا من المعجزات ما رأوا فقال إنكم يا بني إسرائيل بطلبكم هذا برهنتم على أنكم قوم قد ملأ الجهل قلوبكم وغطى على عقولكم فصرتم لا تفرقون بينما عليه هؤلاء من ضلال مبين وبين ما يستحقه الله من الخضوع والعبادة وذكرهم بنعمة الله عليهم بعد أن نجاهم من فرعون وقومه قال الله تعالى وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى جعل لنا إله كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم سكت بنو إسرائيل بعد توبيخ موسى عليه السلام لهم لكن مصائبهم لم تنتهي بعد فقد واعد الله موسى عليه السلام وقومه عند جبل الطور بعد ثلاثين ليلة كانت هي أيام شهر ذي القعدة وذلك لإعطائه التورى فيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم وأمر الله تعالى موسى بصيام هذه الأيام ولانفراد فيها للعبادة فحينئذ استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون وقال له أصلحهم بحملك أيهم على طاعة الله ولا تطع من عصى الله منهم ولا توافقه على أمره وهذا تنبيه وتذكير فالذكرة تنفع المؤمنين وإلا فهارون عليه السلام نبي شريف كريم على الله وأمره موسى عليه السلام بالسير خلفه نحو جبل الطور ثم تعجل موسى عليه السلام لميقات ربه فكان يكثر من الذكر والعبادة والصوم ليلا ونهارا فلما أتم ثلاثين ليلة وحان موعده مع الله تعالى استنكر رائحة فمه بسبب الصيام فاستاك بلحاء شجرة فأوحى الله إليه أما علمت يا موسى أن رائحة فم الصائم أحب إلي من ريح المسك فأمره بصيام عشرة أيام هي أيام عشر ذي الحجة فتم ميقات ربه أربعين ليلة وكان كلام الله تعالى لموسى عليه السلام غداة يوم النحر حين فدي إسماعيل من الذبح وأكمل الدين لمحمد صلى الله عليه وسلم على جبل الطور كلم الله موسى عليه السلام بما كلمه به من وحيه وأمره ونهيه وأعطاه الألواح مكتوب فيها التوراة فيها معظة وتفصيل لكل شيء من أمور الشرع عند ذلك استحلى موسى كلام الله وتاقت نفسه لرؤية ربه وطمع في ذلك فطلب النظر إليه فقال بكل أدب رب أريني أنظر إليك فقال الله له لن تراني أي لن تقدر على رؤية في الدنيا ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه إذا تجليت له فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا مستوي بالأرض جبل عظيم لم يثبت أمام سبحات نور الله تعالى فتدكدك وانهد وصار كثيبا مهيلا وسقط موسى مغشيا عليه فلما أفاق من غشته قال تنزيها لك يا ربي عما لا يليق بجلالك إني تبت إليك من مسألتي هذه وأنا أول المؤمنين بك من قومي قال الله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون خلفني في قومي وأصلح وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول أول المؤمنين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال استبى رجلان رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم والذي اصطفى محمدا على العالمين قال اليهودي والذي اصطفى موسى على العالمين فغضب المسلم على اليهودي فلطمه فأت اليهودي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى ممسكا بجانب العرش فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور متفق عليه قال الله لموسى عليه السلام وما الذي جعلك تعجل عن قومك يا موسى فتتقدم عنهم تاركا إياهم خلفك قال موسى عليه السلام هاهم ورائي وسيلحقونني وسبقت قومي اليك لترضى عني قال الله فإنا قد ابتلينا قومك بعد فراقك إياهم بعبادة العجل وإن السامريا قد أضلهم أما بنو اسرائيل فكان أمرهم عجبا فإنهم حين استبطأوا رجوع موسى عليه السلام إليهم وكان قد أخبرهم بميقات ربه ثلاثين ليلة فلما زاده الله عشرا كانت في هذه الزيادة فتنتهم فقال لهم رجل منهم يدعى السامري إنما احتبس عليكم موسى من أجل ما عندكم من الحلي الذي أخذتموه من مصر بغير حق فأمرهم فجمعوا الحلي ودفعوه إليه فرمى به في النار وصاغ لهم منه عجلا من ذهب ثم ألقى عليه قبضة من تراب من أثر فرس جبريل عليه السلام فلما ألقى عليه القبضة صار عجلا جسدا له خوار فقال لهم هذا إلهكم وإله موسى فنسيه موسى هاهنا وذهب يبحث عنه في الجبل وقيل نسي أن يذكر لكم أن هذا هو إلهكم فعكف عليه بنو إسرائيل وأحبوه حبا لم يحبوا شيئا مثله وأخذو يتراقصون حوله ويعبدوه وكما قال الله عنهم وأشربوا في قلوبهم العجل فقال لهم هارون عليه السلام يا قوم إنما اختبرتم بهذا العجل ليظهر المؤمن منكم من الكافر وإن ربكم الرحمن لا غيره فاتبعوني فيما أدعوكم إليه من عبادة الله وأطيعوا أمري في اتباع شرعه فردوا عليه وقالوا لا نترك عبادة العجل ولا نزال مقيمين هاهنا حتى يرجع إلينا موسى ونسمع كلامه فيه وقال فو هارون في ذلك وكادوا أن يقتلوه فانعزل عنهم ومعه 12 ألفا ممن لم يعبد العجل رجع موسى عليه السلام إلى قومه غضبان حزينا وقال لهم على سبيل الزجر والتوبيخ يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا لا سبيل لكم إلى انكاره ومن هذا الوعد الحسن انزالوا التوراة لهدايتكم وسعادتكم وأهلاك عدوكم أمام أعينكم فلماذا أعرضتم عن عبادته وطاعته مع أنكم تعيشون في خيره ورزقه أفطال عليكم الزمان الذي فارقتكم فيه أم أنكم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعد الذي وعدتموني إياه وهو أن تثبتوا على إخلاص العبادة لله وحده وتلحقوا بي إلى جبل الطور قالوا ما أخلفنا عهدك بإرادتنا واختيارنا ولكننا حملنا أثقالا من زينة القبط التي أخذناها منهم بدون حق فقذفناها في النار بتوجيه من السامري فكذلك ألقى السامري أيضا ما معه من تلك الزينة وحاصل معتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها عنهم وعبد العجل فتورعوا عن الأمر اليسير وفعلوا الأمر الكبير توجه موسى عليه السلام إلى أخيه هارون وهو غضبان لربه ودينه فأخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله وقال ما منعك إذ رأيتهم ضلوا وكفروا ألا تلحق بي وتخبرني بضلالهم هل خالفت أمري فقال له هارون مستعطفا إياه يابن أمي لا تمسك بلحيتي ولا بشعر رأسي فإن لي عذرا في بقائي معهم فقد خفت إن تركتهم وحدهم أن يتفرقوا فتقول إني فرقت بينهم وإني لم أحفظ وصيتك فيهم وقال أيضا إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني معهم في خطيئتهم فعذر موسى أخاه هارون وقال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ثم اتجه موسى عليه السلام مغضبا إلى السامري رأس الفتنة ومدبرها فأخذ في زجره وتوبيخه وقال له ما شأنك أنت يا سامري وما الذي دفعك إلى ما صنعت فقال السامري علمت ما لم يعلمه القوم ورأيت ما لم يروه روي أن السامرية رأى جبريل عليه السلام حين جاء إلى موسى ليذهب به إلى ميقات ربه ولم يرى جبريل أحد غير السامري من قوم موسى ورأى أن فرس جبريل كلما وضعت حافرها على شيء اخضر فعلم أن للتراب الذي تضع عليه الفرس حافرها شأنا فأخذ منه حفنة وألقاها في الحلي المذاب فصار عجلا جسدا له خوار قال السامري فصنعت لهم هذا العجل ومثل هذا الفعل زينته وحسنته لنفسي قال بني إسرائيل يتركون عبادة إلهك يا موسى ويعبدون العجل الذي صنعته لهم قال موسى للسامري مادم تقد فعلت ذلك فاذهب فإن لك في مدة حياتك أن تعاقب بالنبذ من الناس وأن تقول لهم إذا اقترب منهم أحد إليك لا مساس أي لا أمس أحدا ولا يمسني أحد لا خالط أحدا ولا يخالطني أحد قيل عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أطم منها وأوحش وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعا كليا وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا وإذا اتفق أن مس أحدا رجلا أو امرأة حما الماس والممسوس أي يصيب بمرض الحما فتحام الناس وتحاموه وكان يصيح لا مساس وعاد في الناس أوحش من القاتل اللاجئ إلى الحرم ومن الوحش النافر في البرية والسر في عقوبته على جنايته بما ذكر أنه قصد الظهور على الناس ليجتمعوا عليه ويعززوه فكان ما فعله سببا لبعدهم عنه وتحقيره ثم بين موسى له عقوبته في الآخرة فقال وإن لك موعدا في الآخرة لن يخلفك الله تعالى إياه بل سينجزه لك فيعاقبك يومئذ العقاب الأليم الذي تستحقه بسبب ضلالك وإضلالك وانظر إلى عجلك الذي اتخذته معبودا لك وأقمت على عبادته من دون الله لنشعلن عليه نارا حتى ينصهر ثم لنذرينه في البحر حتى لا يبقى له أثر رجع موسى عليه السلام إلى قومه الذين عبد العجل فقال لهم يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلىها قالوا فما نصنع قال ارجعوا إلى خالقكم وتوبوا إليه قالوا وكيف نتوب قال إن الله يأمركم أن تقتلوا أنفسكم يعني ليقتل البريء منكم المجرم ذلكم خير لكم عند خالقكم فقالوا نصبر لأمر الله فأرسل الله تعالى عليهم سحابة سودى حتى أصبحوا لا يبصر بعضهم بعضا فكانوا يقتلون بعضهم بعضا إلى المساء فلما كثر القتل دعى موسى وهارون عليه السلام وقالا يا ربنا هلكت بنو اسرائيل البقية البقية فكشف الله تعالى السحابة وأمرهم أن يكفوا عن القتل فتكشفت عن ألوف من القتلى قيل كان عدد القتلى سبعين ألفا فاشتد ذلك على موسى عليه السلام فأوحى الله تعالى إليه يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول في الجنة فكان من قتل شهيدا ومن بقي مكفرا عنه ذنوبه قال الله تعالى وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا فتوبوا إلى بارئكم فقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني اسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل وواعدهم موعدا فاختار موسى من قومه سبعين رجلا على عينه الخير فالخير وقال لهم انطلقوا معي إلى الله فاعتذروا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم ثم خرج بهم إلى طور سينا لميقات ربه فلما أتوا ذلك المكان تجرأوا وقالوا لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرا فإنك قد كلمته فأرناه هذا وهم الأخيار من بني اسرائيل فأخذتهم الصاعقة فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويقول ربي ماذا أقول لبني اسرائيل إذا لقيتهم وقد أهلكت خيارهم لو شئت يا ربي أهلكتهم جميعا من قبل وأنا معهم فإن ذلك أخف علي أتهلكنا بما فعله سفهاء الأحلام منا ما هذه الفعلة التي فعلها قومي من عبادتهم العجل إلا ابتلاء واختبار منك تضل به من تشاء من خلقك وتهدي به من تشاء هدايته أنت ولينا وناصرنا فاغفر لنا وارحمنا برحمتك وأنت خير من صفح عن جرم وستر عن ذنب فأجاب الله سؤاله وأحياهم من بعد موتهم وغفر لهم مقالتهم قال الله تعالى وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين كنتم مع قصص الأنبياء حكى رب تهدي المؤمن وصل الله مولانا تنعمل صلحه