قصص الأنبياء .. قصص الأنبياء .. عليهم السلام قصة موسى .. عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد وصل بنا الحديث في قصة نبي الله موسى عليه السلام إلى قتل فرعون للسحرة وتهديته لبني إسرائيل بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم وجزع بني إسرائيل من هذا البلاء ولكن السؤال الذي يتبادر للذهن لماذا لم يقتل فرعون موسى مع السحرة ولماذا كان يقول لملائه ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد مع أنه فرعون مصر وبيده السلطة فبإمكانه أن يقتل موسى دون أن يستشير أحدا لا شك أنه الخوف الذي تلبس بقلب فرعون وقلوب حاشيته فقتل موسى لا ينهي الإشكال بل قد يوحي لبني إسرائيل والأقباط بتقديسه واعتباره شهيدا ويزيد الحماسة في قلوبهم له ولدين الذي جاء به وبخاصة بعد أن هزم السحرة على الملاء وقد خر السحرة مؤمنين ساجدين قال أبو سعود في تفسيره كان ملأه إذا هم بقتله عليه السلام كفوه بقولهم ليس هذا بالذي تخافه فإنه أقل من ذلك وأضعف وما هو إلا بعض السحرة وبقولهم إذا قتلته أدخلت على الناس شبهة واعتقدوا أنك عجزت عن معارضته بالحجة وعدلت إلى المقارعة بالسيف والظاهر من دهاء اللعين ونكارته أنه كان قد استيقن أنه نبي وأن ما جاء به آيات باهرة وما هو بسحر ولكن كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك وكان قوله هذا تمويها على قومه وإيهاما أنهم هم الكافون له عن قتله ولولاهم لقتله وما كان الذي يكفه إلا ما في نفسه من الفزع الهائل انتهى كلامه بدأ فرعون وحاشيته بحملة إعلامية الهدف منها صرف الناس عن موسى عليه السلام وتشويه صورته أمام الجميع والتشكيك في رسالته والزعم بأن هدف موسى هو إخراج الناس من مصر وتبديل دين أهلها أو نشر الفساد فيها وكان فرعون يحتقر موسى ويفتري عليه الأكاذيب ومع أن هذه الحملة غير منطقية تأباها العقول السليمة إلا أنها كانت تنطوي على السذج من الناس قال الله تعالى ونادا فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين ومن ضمن حملة فرعون الإعلامية للتشكيك بموسى عليه السلام أن قال لوزيره هامان يا هامان ابن لي بناء عظيم لعلي أبلغ أبواب السماوات وما يوصلني إليها فأنظر إلى إله موسى بنفسي وإني لأظن موسى كاذبا في دعواه أن له ربا وأنه فوق السماوات وكانت هذه حيلة أخرى من فرعون لإيهام الناس أنه محق وموسى مبطل في دعوته واستعان فرعون أيضا بقارون وهو ابن عم موسى عليه السلام من بني إسرائيل وكان رجلا غنيا آتاه الله من المال الشيئ الكثير حتى إن مفاتيح خزائن كنوزه ليعجز عن حملها الرجال الأشداء ولو عرفنا عن مفاتيح الكنوز هذه الحال فكيف كانت الكنوز ذاتها ولأجل هذا المال الذي عنده جعله فرعون من حاشيته ومن جلسائه ومن المقربين لديه وطلب منه التأثير على بني إسرائيل بماله وحظوته عندهم ليتخلوا عن موسى ضمن حملته الإعلامية فبغى قارون على بني إسرائيل واستعمل أمواله للتأثير عليهم وصدهم عن اتباع موسى عليه السلام فنصحه العقلاء من قومه بالقصد والاعتدال في هذا المال وحذروه من الفرح الذي يؤدي بصاحبه إلى نسيان فضل المنعم عليه بهذا المال ونصحوه بأن يبتغي بهذا المال الدار الآخرة من غير أن ينسى نصيبه من الدنيا فكان رد قارون جملة واحدة تحمل شتى معاني الكبر والفساد قال إنما أوتيته على علم عندي خرج قارون ذات يوم على قومه بكامل زينته فطارت قلوب بعض القوم وتمنوا أن لديهم مثل ما أوتي قارون وأحسوا أنه في نعمة كبيرة فرد عليهم من سمعهم من أهل العلم والإيمان ويلكم أيها المخدوعون احذروا الفتنة واتقوا الله وعلموا أن ما عند الله من الثواب خير من هذه الزينة وكان موسى عليه السلام ينصح قارون كل ما لقيه ويدعوه إلى الله تعالى وترك عبادة فرعون فلا يلقى منه إلا الصدود والعناد فلما ضجر قارون من موسى دبر له مكيدة ليصرف الناس عنه فقد أعطى مرأة بغي مالا على أن تقول لموسى عليه السلام وهو في ملئ من الناس إنك فعلت بي كذا وكذا فقالت له المرأة ذلك أمام الناس فدعى موسى عليه السلام ربه ثم أقبل عليها فاستحلفها من دل لك على هذا القول ومن الذي حملك عليه فارتجفت المرأة وذكرت أن قارون هو الذي حملها على ذلك وأعطاها المال من أجل أن تفضحه بين الناس فدعى موسى عليه السلام على قارون فأوحى الله إليه إني قد أمرت الأرضى أن تطيعك فيه فأمر موسى الأرضى أن تبتلعه وداره وكان الداره عبارة عن قصر عظيم لم يرى الناس مثله فخرج قارون على الناس وهو في كامل زينته وبهرجته فخسف الله به الأرض هكذا في لمحة خاطفة ابتلعته الأرض وبتلعت داره وذهب ضعيفا عاجزا لا ينصره أحد ولا ينتصر بجاه ولا مال قال الله تعالى إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغي الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم سواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون يقولون ويك أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أمن الله علينا لخسف بنا ويك أنه لا يفلح الكافرون لم تفلح كل الحملات الإعلامية لثني موسى عليه السلام عن دعوته أو تخل الناس عنه فأتباعه يزدادون يوما بعد يوم وصورة فرعون تهتز أمام الجماهير مما يهدد عرشه وملكه عندها أخبر فرعون من حوله بعزمه على قتل موسى فقال رجل مؤمن بالله من آل فرعون وكيله هو ابن عمه كان يكتم إيمانه قال منكرا على فرعون وقومه كيف تستحلون قتل رجل لا جرم له عندكم إلا أنه يقول ربي الله وقد جاءكم بالبراهين القاطعة من ربه على صدق ما يقول فإن يك موسى كاذبا فإن وبال كذبه عائد عليه وحده وإن يك صادقا لحقكم بعض الذي يتوعدكم به يا قوم لكم الملك اليوم غالبين في أرض مصر فمن ينصرنا من عذاب الله إن جاءنا بسبب قتل موسى ذهل فرعون من قول الرجل وقال لمن حوله الرأي رأي والحكم حكمي وقد رأيت أن أقتل موسى دفعا للشر والفساد وما أرشدكم إلا إلى الصواب والسداد استمر مؤمن آل فرعون في نصح قومه محذرا ومنذرا وبين لهم أنه إنما يدعوهم إلى طريق النجاه وهم يدعونه إلى طريق النار فلما لم يستمعوا لقوله وهموا بقتله قال لهم فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب فخرج فارًا من بينهم ولجأ إلى الجبل فطلبوه فلم يجدوه ونجاه الله مع موسى عليه السلام وبني إسرائيل وأثمرت دعوة موسى عليه السلام أن آمن به بنو إسرائيل ونفر من قوم فرعون وكانوا على خوف من فرعون وملأهم أن يفتنهم عن دينهم فقال لهم موسى عليه السلام إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين وكان ممن أسلم واتبع موسى عليه السلام امرأة فرعون آسية بنت مزاحم التي قالت عن موسى لا تقتلوه عسى أن ينفعنا فنفعها الله به وقالت قرة عين لي فأقر الله عينها به بعد أن رأته نبي رسولا وكانت وقت التحدي بين موسى والسحرة تسألوا من غلب فقيل لها غلب موسى وهارون فقالت آمنت برب موسى وهارون فلما علم فرعون بإسلامها خرج على الملئ فقال لهم ما تعلمون من آسية بنت مزاحم فأثنوا عليها فقال لهم إنها تعبد ربا غيري فقالوا له أقتلها فأوتد لها أربعة أوتاد في الأرض وشد يديها ورجليها في الأوتاد وكانت تعذب في الشمس فإذا تفرقوا عنها أظلتها الملائكة وكانت تدعو فتقول رب ابن لي عندك بيتا في الجنة قال العلماء من رجاحة عقلها اختارت الجارة قبل الدار قال تعالى وضرب الله مثلا للذين آمنوا مرأة فرعون إذ قالت إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين أرسل إليها فرعون فقال انظروا أعظم صخرة تجدونها فإن أصرت على اتباع موسى فألقوها عليها وإن رجعت عن قولها ففكوا قيدها وأتوني بها فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأبصرت بيتها في الجنة فأصرت على الإيمان واتباع موسى عليه السلام وانتزع الله روحها فألقو الصخرة على جسد ليس فيه روح روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام وجاء بلفظ آخر كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وأسلمت أيضا ما شطة بنت فرعون واتبعت موسى عليه السلام وكان من خبرها ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم عنها لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت علي رائحة طيبة فقلت يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة فقال هذه رائحة ما شطت ابنة فرعون وأولادها قال قلت وما شأنها قال بينها هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدرى من يديها أي المشط فقالت بسم الله فقالت لها ابنة فرعون أبي قالت لا لكن ربي ورب أبيك الله قالت أخبره بذلك قالت نعم فأخبرت فدعاها فقال يا فلانة وإن لك ربا غيري قالت نعم ربي وربك الله فأمر ببقرة من نحاس أي قدر واسعة تسع البقرة من كبارها فأحميت سنتلقى هي وأولادها فيها قالت له إن لي إليك حاجة قال وما حاجتك قالت أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا قال ذلك لك علينا من الحق قال فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحدا واحدا كان انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع وكأنها تقاعست من أجله قال يا أمة اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فاقتحمت رواه أحمد للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين كنتم مع قصص الأنبياء