خلاصة مفاهيم أهل السنة قاعدة الضرورات تبيح المحظورات استنبط العلماء هذه القاعدة من قول الله تعالى إنما حرم عليكم الميتة والدمى ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه إن الله غفور رحيم وقالوا فكل محظور نضطر إليه الإنسان فقد أباحه له الرحمن والضرورة هي ما يخاف المرء عند وقوعه من حصول تلف لنفسه أو بعضها أو لعقله أو ماله أو ضياع لعرضه أو أذن فيه قيود الضرورة المبيحة للمحظور للضرورة المبيحة للمحظور ضوابط وقيود هي أن تكون الضرورة قائمة وحاصلة لا متوقعة أو منتظرة ألا يكون لدفع الضرورة وسيلة أخرى مباحة أو مكروها غير ارتكاب المحظور أن يقتصر في فعل المحظور على الحد الأدنى منه المطلوب لدفع الضرورة لقوله تعالى غير باغ ولا عاد ففي الأكل من الحرام مثلا لا يتجاوز ما يسد به رمقه ويقيم أوده ألا يوقع المحظور ضررا على الآخرين فلا يجوز مثلا الامتثال للإكراه على قتل الغير لأن إبقاء حياة كل من المكره على القتل والمأمور بقتله ضرورتان من درجة واحدة ينتظمها مقصد الحفاظ على النفس وليست نفس المكره بأولى من نفس المأمور بقتله في الحفاظ عليها أن تكون الضرورة ملجئة كأن يكره المرء على أكل المحظور بالتهديد مثلا بقتله أو تعذيبه لو لم يأكل منه حتى لو وجد معه المباح ألا يقع المضطر إذا كان رمزا في العلم والدعوة فيما يضل به الناس في دينهم ولا بد من تحقق هذه القيود كلها في كل ضرورة تدعى حتى تبيح المحظور فلو تحقق بعض القيود دون البعض الآخر لم تكن ضرورة رفع الحرج في الدين لا يصح الاستدلال بقول الله تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج على إسقاط أي تكليف شرعي على المر بدعوى أنه يوقعه في حرج بل الآية تدل على أن تكاليف الشرع كلها ليس فيها حرج وما جعل عليكم في الدين من حرج ويدل على ذلك أيضا أنها ذكرت في أولها الأمر بالجهاد في سبيل الله حق الجهاد مما يفيد أنه ليس هناك أدنى حرج في الإتيان بهذا التكليف وسائر تكاليف الدين وإنما يسقط التكليف أو يبدل أو يؤجل إذا كان الحرج لأمر طارئ على المر خارج عن أصل التكليف في ذاته كأن يؤجل المريض الصيام الواجب لما يجده من حرج ومشقة في الصيام بسبب المرض الطارئ عليه وكقصر الصلاة بسبب السفر وما فيه من مشقة رفع الحرج في الطهارة ومن الحرج المرفوع أيضا الحرج من الصلاة بغير وضوء واعتقاد عدم إمكانية الطهارة عند فقد الماء أو عدم القدرة على استخدامه وذلك بتشريع الطهارة بالتيمم قال الله تعالى بعد تشريع التيمم بدلا عن الماء في حال فقدانه أو عدم القدرة على استعماله ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون التكاليف في وسع النفس ومقدرتها وكذلك قول الله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لا يعني إسقاط التكليف لدعو المرء أنه ليس في وسعه بل معناه أن الإنسان مكلف بالوسع وأن كل التكاليف هي في وسع النفس ومقدرتها أوامر الله ونواهيه داخلة في اليسر والتخفيف أوامر الله عز وجل ونواهيه وما ينجم عنها من حكم وفوائد هي عين اليسر والتخفيف على الناس في الدنيا والآخرة وأما ما يحدث للنفس من مشقة بسبب التكليف فهي مشقة مقدور عليها ولا بد من بذلها لنيل نعيم الآخرة فالنعيم لا يدرك بالنعيم من آثر الراحة فاتته الراحة قال المتنبي إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام قال الله تعالى بعد تشريع الصيام وتفصيل أحكامه يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر فكل أمر من الله تعالى لنا فهو يسر لا حرج فيه فلا يسر ولا تخفيف ولا رفع حرج أعظم من شيء أدى إلى الجنة ونجى من جهنم سواء كان حظرا أو واجبا أو إباحا ضوابط الترخص والتيسير للترخص والتيسير ورفع الحرج عند وقوع ما يقتضي ذلك ضوابط وقيود هي أولا تحقق حصول العذر الداعي للأخذ بالرخصة يقينا لا ظنى ثانيا قيام الدليل على الأخذ بالرخصة وعدم مخالفة النصوص الشرعية في المسألة ثالثا الاقتصار على موضع الحاجة أو الضرورة رابعا صدور الرخصة من عالم بالأحكام وبالواقع حتى يتحقق فهم المسألة وتحقيق مناطها في الواقع عموم البلوى البلوى العامة تكون فيما يتعلق به التكليف وهي الحادثة التي تقع شاملة بحيث يعصر على المكلفين الاستغناء عنها أو الاحتراز منها إلا بمشقة زائدة تقتض التيسير والتخفيف ويحتاج المكلفون إلى معرفة حكمها ومن أمثلتها أولا التسامح في سؤر الهرة لصعوبة التحرز منها لأنها من الطوافين علينا والطوافات ثانيا تطهير التراب للنجاسة العالقة ببطن النعل والحذاء ضوابط إعمال قاعدة عموم البلوى أولا تحقق حصولها في الحادثة المسؤول عنها فلو وجد استثناء لعمومها انت فالعمل بها في الترخص ولزم التوجه إلى المستثنى منها فلو كان أمام المرء طريقان لا بد من سلوك أحدهما وكان الأول به يطين مخترط بنجاسات الدور والمنازل والآخر سالم من ذلك لزم سلوك الطريق الثاني ولو سلك الأول لم يُعفى عما يلحق به من نجاسة لأنه لا يعسر الاحتراز منها ثانيا صدور القول بها في المسألة من مجتهد عالم بالأحكام الفقية وبالواقع لإمكان تحقيق مناطها ثالثا أن يقيد التيسير الحاصل وبعموم البلوى بالحالة التي تتحقق فيها ويزول بزوالها قاعدة سد الذرائع المحرمات في الإسلام منها ما هو محرم لذاته وما هو محرم لغيره والمحرم لغيره هو ما حرما لا لأنه في ذاته محرم وإنما لما سيؤدي إليه من الوقوع في المحرم لذاته ومثال تحريم سب آلهة المشركين إذا كان ذريعة لسب الله تعالى قال تعالى ولا تسب الذين يدعون من دون الله فيسب الله عدوا بغير علم مع أن سب آلهة المشركين هو في ذاته إغاضة للمشركين وإهانة لآلهتهم وهو جائز أو محمود في ذاته لولا أنه يفضي إلى الوقوع في الحرام وهو سب الله تعالى ففي الآية تصريح بالمنع من الجائز لما يفضي إليه مما لا يجوز إذا حرم الله تعالى شيئا حرم وسائلة إذا حرم الله تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له إذ لو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به وحكمة الله تعالى تأبى ذلك كل الإباء كل ما يفوّت الواجب فهو محرم كل ما يفوّت الواجب ويشغل عنه فهو محرم ولو كان في أصله مباحا ومثاله نهي الله عن البيع والشراء بعد أذان صلاة الجمعة قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع لا إلزام بالمستحبات أو المباحات المستحبات والمباحات وما كان على التخيير لا يصح إلزام الناس فيها فإذا فتح الله لك بابا من المستحبات لا تلزم أن يكون الناس مثلك فيه فالمستحبات يثاب فاعلها ولا يلام تاركها وربما فتح الله لمن ترك ما أنت عليه من المستحبات بابا آخر منها يكون فيه أنشط وعليه أقدر ومن باب أولى لا لوم على من أتى مباحا أو ترك وهذا مدلول تسميته بالمباح وكذا ما كان من الواجبات على سبيل التخيير بين عدة خصال لا يصح إلزام الناس بأمر واحد فيه وذلك ككفارة الحنث في اليمين فالحنث مخير فيها بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبه فإن لم يجد عدل عن ذلك إلى صيام ثلاثة أيام وكذلك كفارة محظورات الإحرام يخير المرء فيها بين الصيام والصدقة والذبح الرخصة صدقة من الله الرخصة صدقة من الله فيندب الأخذ بها دون البحث عن حكمتها وربطها بها فالله سبحانه رخص الفطرة في حالتي المرض والسفر على أن يقضي المريض حين يصح والمسافر حين يقيم وليست جدة المرض ولا مشقة السفر هي التي تعلق بها الحكم وإنما هي المرض والسفر إطلاقا لإرادة اليسر بالناس لا العسر ونحن لا ندري حكم الله كلها في تعليقه الرخصة بمطلق المرض ومطلق السفر فالصحيح على كل حال أن أخذ الأمور بالصورة التي أرادها الله في هذا الدين فهو أحكم منا وأعلم بما وراء رخصه وعزائمه من مصالح قريبة وبعيدة لا يطلب التشدد للسماح بالرخصة لا يطلب التشدد للسماح بالرخصة وأذا صح التشدد في أحكام المعاملات عند فساد الناس ليكون علاجا رادعا وسدا للذرائع فإن الأمر في الشعائر التعبدية يختلف إذ هي حساب بين العبد وربه ولا تتعلق به مصالح العباد تعلقا مباشرا كأحكام المعاملات التي يراعة فيها الظاهر أما الظاهر في العبادات فلا يجدي ما لم يقم على تقوى القلوب لا بد من دليل على الرخصة الرخصة المقبولة هي ما رخص الله به وكان عليها دليل ونص شرعي لا ما صدر من بعض العلماء من نوادر شذوا فيها عن عامتهم ونهجهم الوسط في الدين فمثل هذا يطلق عليه رخص بعض العلماء مجازا والمقصود به زلاتهم وما رخصوا فيه خلافا للحق وهو المعني بقول العلماء من تتبع زلات العلماء ورخصهم تزندق وقد حكى ابن حزمن الإجماع على أن تتبع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي فسق لا يحل الوسطية في الأخذ بالقواعد الفقهية وتطبيقها استنبط الفقهاء قواعد فقهية من نصوص الكتاب والسنة وجعلوها بمثابة مراجع عامة جامعة يرجع إليها ما يجد في حياة الناس من أقضية وأحداث ليصلوا بذلك إلى الحكم الشرعي فيها فالأصل في إثبات الأحكام الشرعية هو نصوص الكتاب والسنة وإنما جعلت القواعد الفقهية بمثابة تلخيص لدلالات النصوص ومراجع عامة جامعة لها وعلى هذا فالاستدلال بالقاعدة الفقهية على الأحكام هو في الأصل استدلال بنصوص من الكتاب والسنة والتوسط في النظر إلى القواعد الفقهية هو الأخذ بها بهذا الاعتبار وعدم إهمالها بحجة أنها ليست دليلا في حد ذاتها ولا نصا من نصوص الوحيين ولا الإفراط في تطبيقها حتى تعارض بها نصوص الكتاب والسنة الأصل في الأشياء الإباحة يدل على ذلك قول الله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا حيث سيقت الآية في معرض الإمتنان بأن الله خلق ما في الأرض لنفعنا ويؤخذ من مفهوم ذلك أيضا أن ما فيه ضرر خارج عن ذلك ومن تمام النعمة تحريمه علينا صفة العجز المبيح للعذر من عجز عن فعل المأمور من واجب ونحوه سقط عنه هذا الواجب كما دلت عليه الأدلة قال تعالى عن الجهاد ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج وقال الله تعالى في عموم الأوامر فاتقوا الله ما استطعتم وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ولكن لا يعذر الإنسان إلا إذا بذل جهده لفعل ما يؤمر به فعجز عنه وانسدت عليه الحيل لفعله كما يفهم من قول الله عز وجل عن العاجزين عن الهجرة من ديار الشرك إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا العجز عن كامل المأمور لا يسقط وجوب الإتيان بالمقدور فمن قطعت كفه سقط عنه غسل الكف في الوضوء لكن بقي عليه غسل باقي يده حتى نهاية المرفق وقد استمبط العلماء هذه القاعدة من قول الله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم فهذا هو موجب تقوى الله قدر الاستطاع ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم أخرجه البخاري