قصة ملكة سبأ بل أنتم بهديتكم تفرحون لقد أخطأت ملكة سبأ في قرارها لما قررت أن تقدم لنبي الله سليمان عليه السلام هدية تستميل بها قلبه إن من تعلق بالدنيا لا يعرف نفسية من تعلق بالآخرة فمثل نبي الله سليمان عليه السلام لا يستمال بالمال أبدا ولكن ملكة سبأ تعاملت مع نبي الله سليمان عليه السلام بطباع الملوك الذين تغريهم الأموال ويفرحون بها وبما أهدي لهم وتؤثر في قراراتهم لأن منتهى آمال كثير من الملوك والزعماء هو جمع المال إلا من رحم الله وهداه إلى الصراط المستقيم لقد أرادت ملكة سبأ معرفة طبيعة نبي الله سليمان عليه السلام هل هو ملك مثل ملوك الدنيا الذين يحبون المال أم هو نبي مرسل ولكنها أخطاء الطريقة في معرفة الصفات العظيمة لنبي الله سليمان عليه السلام عندما نريد أن نعرف حقائق الرجال فلننظر إلى منطقهم وما يتكلمون به فإنه دليل على مستوى العقل والتفكير عندهم إن مظاهر العظمة التي يبرزها بعض الرجال في هيئاتهم ولباسهم وطريقة مشيهم وحركاتهم قد تخفي تحتها عقولا خاوية وانشغالات تافها فلا يُعتمد على معرفة الرجال من مظاهرهم فقط فهذا رستم قائد الفرس يعيب على جلسائه لما نظروا إلى ربعي بن عامر وقيموه من خلال لباسه وهيئته فرد عليهم رستم بقوله لا تنظروا إلى هيئته وانظروا إلى منطقه إن بعض الرجال إذا رأيتهم أُلقيت عليك المهابة منهم فإذا نطقوا وتكلموا سقطوا من أعين العقلاء لتفاهة عقولهم إن التفاهة سيطرت على حياة كثير من المترفين وأصحاب المناصب والزعامات وهذا حال كثير من الملوك عبر التاريخ وهو ما كانت تعيشه ملكة سبأ نفسها فقد انشغلت بتزيين عرشها والعناية به حتى وصفه الهدهد بأنه عرش عظيم فظنت أن نبي الله سليمان عليه السلام من هذا الصنف من الملوك فأرسلت إليه هدية عظيمة في نظرها ونظر أهل الدنيا لقد استنكر نبي الله سليمان عليه السلام هذا التصرف من ملكة سبأ فغضب وقال أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون لقد واجه نبي الله سليمان عليه السلام وهدية ملكة سبأ بثلاثة أمور الأول استنكار الإهداء مقابل دعوتهم للإسلام الثاني ذكر نعمة الله عليه بما آتاه من الدين والنبوة والحكم وتسخير الجن والطير له ومعرفة منطق الطير فهذا أعظم بكثير من هدية ملكة سبأ الثالث بين من الذي تعجبه مثل هذه الهدايا وأنها ليست من أخلاقه بل من أخلاقهم لأنهم تعودوا عليها قال القشيري رحمه الله أتهدونني مالا وهل مثلي يستمال بمثل هذه الأفعال إنكم وأمثالكم تعاملون بمثل ما عوملتم وقال البغوي رحمه الله ما أعطان الله من النبوة والدين والحكمة والملك خير وأفضل مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون لأنكم أهل مفاخرة في الدنيا ومكاثرة بها تفرحون بإهداء بعضكم إلى بعض أما أنا فلا أفرح بها وليست الدنيا من حاجتي لأن الله تعالى قد مكنني فيها وأعطاني منها ما لم يعطي أحدا ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة قال الرازي رحمه الله فأظهر بهذا الكلام قلة الاقتراث بذلك المال لقد علم نبي الله سليمان عليه السلام سبب إرسال الهدية وهو ثنيه عن عزمه في فتح بلادهم ودعوتهم إلى الإسلام فلم يقبل الهدية إن بعد النظر في معرفة سبب إهداء أهل الأموال والثروات والمناسب للعلماء والدعاة والمصلحين من الأهمية بمكان لأن المغزى عندهم قد يكون بعيدا لا يتفطن له العالم أو الداعية لو نظر إلى الأمر نظرة سطحية أو سوغ لنفسه قبول هدايا السلطان إن الذي ينبغي للعلماء والدعاة والمصلحين هو الترفع عن قبول أي هدية أو عطية قد تقدح في دينهم يوما ما والزهد فيما عند الناس والتوجه إلى الله بطلب ما يحتاجون إليه فإن عطاياه لا تنقطع عن عباده وهو يرزقهم من حيث لا يحتسبون إن السلطان الظالم في كل زمان يواجه العلماء والدعاة لصدهم عن الدعوة إلى الله ونشر العلم وهداية الناس وقول الحق بطريقين اثنين الطريق الأول إسكاتهم بالعطايا والأموال والهدايا وإشراكهم في كل مناسباته وحفلاته واستقبالاته الطريق الثاني التضييق عليهم وملاحقتهم وسجنهم ومنعهم من تعليم الناس بأي طريق من الطرق إن تغيير المسميات لا يغني عن الحقيقة شيئا إن ملكة سبأ قالت وإني مرسلة إليهم بهدية فهل أرسلت هدية أم رشوة إن استمالة الناس بالأموال فيه حق وباطل فأما استمالة الكافر بالمال ليسلم ويترك الكفر فهذا من الحق الذي أجازه الإسلام وإنه جعله من أصناف الزكاة كما في قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وبن السبيل وريضة من الله والله عليم حكيم وهذا النوع من الاستمالة وما يشبه ليس فيه مصلحة لمن استماله بالمال وإنما هو لحظ من أعطي المال ليلزم الحق ويتمسك به أو يدخل في دين الله أو يثبت على الإسلام كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف من أسلم في فتح مكة بإعطائهم من الغنائم ليثبتوا على الإسلام أما الاستمالة المحرمة فهي التي تكون لمصلحة من بدل المال لينال ما ليس له فيه حق أو ليتجاوز عنه في حق عليه أو ليظلم الآخرين أو نحو ذلك وهذه هي الرشوة المحرمة ولو سميت هدية وغالب عطايا السلاطين والملوك والزعماء هي من هذا الباب إما لإسكات الشعراء أو الخطباء أو لصناعة علماء السوء ليحلوا لهم ما حرم الله عليهم أو ليصححوا أفعالهم ولو خالفت الشريعة فالهدية الأصل فيها لاستحباب فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تهادوا تحابوا رواه البخاري في الأدب المفرد وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية وهي من العمل الصالح بين المسلمين إذا ابتغوا بها وجه الله عز وجل أما إذا كانت الهدية لغير وجه الله أو كانت لمنع إقامة شرع الله أو صد الإنسان عن طاعة الله أو كانت لغرض محرم كالعلاقات بين الشباب والفتيات وأهداء الزهور وغيرها في عيد الحب كما يزعمون أو في غيره فإن هذه من الهدايا المحرمة وما أرسلته ملكة سبأ هو من هذا النوع المحرم فإنها أرادت منع نبي الله سليمان عليه السلام من فتح بلادها وإدخالهم في دين الله ونزولهم تحت حكمه ونبي الله سليمان عليه السلام إنما يفعل ذلك لله ولنشر دين الله ولتعلو كلمة الله في الأرض ولإنقاذهم من عبادة الشمس إلى عبادة الله الواحد القهار وليستسلم الناس لرب العالمين فالصد عن هذا المقصد العظيم بهدايا وأموال إنما هو صد عن سبيل الله ولذلك لم يقبلها نبي الله سليمان عليه السلام وقال إرجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون فكان الرد الحازم بمحاربة أهل مملكة سبأ وإدخالهم في دين الله عز وجل وإبعادهم عن عبادة غير الله إنقاذا لهم من الخلود في النار وهذا من صور الجهاد في سبيل الله فلما بلغ الخبر ملكة سبأ أذعنت لأمر نبي الله سليمان عليه السلام وخرجت بنفسها وأشراف قومها إلى نبي الله سليمان عليه السلام للنزول تحت حكمه طواعية وحقنا لدماء قومها من أن تسيل في الشوارع وهذا يبين رجاحة عقلها في حماية قومها من الدخول في حرب خاسرة بكل المقاييس ولا يعيبها أن تستسلم للحق فإن الرضوخ للحق خير من التمادي في الباطل وهذا هو الذي ينبغي لكل عاقل أن يرضخ للحق إذا تبين له ويبتعد عن الدخول في معارك كلامية أو جدال عقيم ليثبت رأيه وقد تبين له أن الحق مع غيره إن إضاعة الوقت والجهد في معارك لا طائل من ورائها نوع من السفه لا يليق بالعقل وهذا ما فعلته ملكة سبأ اختصرت الوقت والطريقة بعد أن تبين لها خطأ ما فعلت فذهبت بنفسها إلى نبي الله سليمان عليه السلام مستسلمة للحق لكن ماذا حصل في مملكتها وهي في طريقها إلى نبي الله سليمان عليه السلام نكمل في لقاء القادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين قصة ملكة سبأ مع نبي الله سليمان عليه السلام