قصة مليكة سبأ الهدهد والنبأ اليقين لم يتأخر الهدهد كثيرا حتى جاء بعد غيابه عن موكب نبي الله سليمان عليه السلام وكان نبي الله سليمان عليه السلام قد توعد بمعاقبته العقوبة الشديدة إذا لم يكن له عذر فقال الهدهد مبينا سبب تأخره أحضت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين قال ابن كثير رحمه الله أي اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك وجئتك من سبأ بنبأ يقين أي بخبر صدق حق يقين إن هذا الكلام يوجهه الهدهد لنبي الله سليمان ونبي الله سليمان قد آتاه الله ملكا لم يؤته أحدا من العالمين استجابة لدعائه لما قال قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهام فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاءا حيث أصاب والشياطين كل بنائ وغواص وآخرين مطرنين في الأصفاد هذا اعطاؤنا فمن أو أمسك بغير حساب ومع ذلك يقول له الهدهد أحط بما لم تحط به نعم قد يحيط الصغير بعلم لم يبلغه الكبير فالعلم قاعدته التي يجب ألا يخطئها أحد هي قوله تعالى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا وقوله سبحانه وفوق كل ذي علم عليم فلا يلزم أن يكون الكبير أعلم من الصغير ولا العكس فنيل العلم ليس مرتبطا بالسن فقد ينال الصغير ما لم ينله الكبير إن نبي الله سليمان لم يتكبر على الهدهد وهو الذي هدد بقتله إن لم يأتي بحجة على تغيبه وإنما استمع إليه ثم سعى في التثبت من الخبر الذي جاء به إن بعض الأمثال الشعبية في المجتمعات تعلم الناس أن الكبير أعلم من الصغير دائما وتستهجن أن يأتي الصغير بعلم لا يعرفه الكبير أو أن الصغير يستدرك على الكبير ويعلمه وهذا من الباطل المخالف للشرع ولذلك علينا أن نتثبت من معاني الأمثال الشعبية التي نستخدمها ففيها الحق والباطل فأما ما وافق الشرع فهو حق وأما ما خالف الشرع فهو باطل ولا يليق بالمسلم أن يقدم الأمثال الشعبية على أنها حق لا يقبل النقاش أو الرد بل لا يليق به أن يقدم الأمثال الشعبية المخالفة للشرع على الشرع المطهر الصادر من العليم الحكيم سبحانه إن على الأباء والأمهات قبول الحق الذي يأتي من أبنائهم إذا كان موافقا للشرع ولا ينظر إليهم على أنهم صغار لم يعرفوا الحياة بعد فإن الصغير يكبر والجاهل يتعلم وقد ينعم الله على الأباء والأمهات بهداية أبنائهم وسيرهم في طريق الصالحين فيتعلم الأبناء علما لا يعرفه الأباء ولا الأمهات بسبب اختلاف النشأة والبيئة فلا يليق في هذه الحالة أن تقابل هذه النعمة بالرد والاستكبار بحجة أنهم صغار وقد وقع والد إبراهيم عليه السلام في مثل هذا الخلق السيئ في رده لما جاء به إبراهيم عليه السلام فقد قال إبراهيم عليه السلام لأبي يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ولكن الكبر الذي وقع فيه والد إبراهيم عليه السلام جعله يرفض الحق الذي جاء به إبراهيم عليه السلام فرد على ابنه بقوله أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لإن لم تنتهل أرجمنك وهجرني مليا ومثل هذا الرد أو قريبا منه يصدر من بعض الأباء والأمهات بألفاظ مختلفة ولكن كلها تدور حول هذا المعنى الذي قاله من سبقهم بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمه وإنا على آثارهم مهتدون وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمه وإنا على آثارهم مقتدون لقد تكلم الهدهد بعلم بلغ رتبة اليقين عنده فقال لنبي الله سليمان عليه السلام وجئتك من سبأ بنبأ يقين وهكذا ينبغي لنا أن نتكلم ونتحاور بعلم بلغ رتبة اليقين عندنا وخاصة إذا كان الكلام يتعلق بالآخرين فلا يكفي أن نقول قال فلان أو سمعت فإن مثل هذه الألفاظ قد جاء ذمها في الشرع فقد قال أبو مسعود رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بئس مطية الرجل زعمه رواه أبو داوود قال المظهري رحمه الله كانت عادة جماعة من الناس أنهم إذا تكلموا بكلام سمعوه من غيرهم ولم يعلموا صحته يقولون زعموا أن القضية كيت وكيت أو زعم فلان أنه سمع كذا أو رآ كذا وما أشبه ذلك فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتكلموا بكلام لم يعلموا صحته إن الكلام بعلم يبلغ رتبة اليقين يجب عند الحديث عن الناس وذمهم في أعراضهم أو أخلاقهم أو الطعن في دينهم ووصفهم بألقاب التبديع أو التفسيق أو غيرها ولا يُعفى الإنسان عن المحاسبة على كلامه بحجة أن هذا الكلام منتشر بين الناس ولنا في حادثة الإفكي التي وقعت لأمنا عائشة عبرة فقطّعنا المنافقون في عرضها وردّد بعض الصحابة هذا الكلام بغير تثبت فأقام عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حدّ القذف ثمانين جلده ونزل القرآن يعتب على المؤمنين في طريقة تعاملهم مع هذا الإفكي العظيم وعلمهم أدب التعامل مع الأخبار التي تطعن في أعراض المسلمين عند سماعها فقال سبحانه لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفكم مبين هذا هو الأدب الأول أن نحسن الظنّ بمن نعرف تاريخه بالخير والأمانة وحسن الخلق والدين فلا نسارع بتصديق أي كلام يخالف ما نعرف من غير تثبت قال ابن كثير رحمه الله قال تعالى لولا يعني هلا إذ سمعتموه أي ذلك الكلام الذي رميت به أم المؤمنين رضي الله عنها ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً أي قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم فإن كان لا يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرا الأدب الثاني التصريح بإنكال مثل هذه الأخبار التي تقدح في عرض المؤمنين والمؤمنات وقالوا هذا إفكم مبين قال السعدي رحمه الله فهذا من الظنّ الواجب حين سماع المؤمن عن أخيه المؤمن مثل هذا الكلام أن يبرئه بلسانه ويكذب القائل لذلك وقال تعالى لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون وهذا هو الأدب الثالث وهو المطالبة بالدليل على صحة الخبر قال ابن كثير رحمه الله قال الله تعالى لولا أي هلا جاءوا عليه أي على ما قالوه بأربعة شهداء يشهدون على صحة ما جاءوا به فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون أي في حكم الله كذبة فاجرون وغيرها من الأداب التي ذكرت في آيات سورة النور في أدب التعامل مع الأخبار التي تطعن في أعراض الناس فهل التزمت أخت الكريمة بهذه الأداب في التعامل مع الأخبار التي تسمعينها عمن حولك من الناس هل أنكرت على من تتحدث عن الناس وتطعن في أعراضهم وطلبت منها الدليل على صحة ما تقول هل دافعت عن المؤمنين والمؤمنات ممن تعرفين تاريخهم الناصع وحسن أخلاقهم ودينهم عندما يطعن في أعراضهم قد يأتي يوم تحتاجين إلى من يظن بك خيرا ويدافع عنك ويذب عن عرضك فالأيام دول والدين مسترد إما في الدنيا أو في الآخرة وأكثر ما يدخل الناس النار حصائد ألسنتهم ولكن ما الخبر اليقين الذي جاء به الهدهد وهل جاء به مستبشرا أم مستنكرا وكيف تعامل نبي الله سليمان عليه السلام مع هذا الخبر نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين قصة ملكة سبأ مع نبي الله سليمان عليه السلام