أمنا عائشة رضي الله عنها. عائشة إذني لي أتعبد لربي التربية بالقدوة من أهم طرق التربية ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم قدوة لأهل بيته وللمسلمين عامة ولذلك أمرنا الله عز وجل بالتأسيبه فقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا والنبي صلى الله عليه وسلم هو أتقى هذه الأمة لله وأكثرهم خشية له سبحانه وكانت عبادته تظهر فيها هذه الخشية وهذا التقى ومن أراد أن يعبد الله عز وجل فلن يجد طريقة أفضل من طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في عبادته لربه ولم تقتصر عبادة النبي صلى الله عليه وسلم على موسم من مواسم العبادة كرمضان مثلا وإنما عبادته لله دائمة وفي أحواله كلها وإذا أراد الرجل أن يربي أهل بيته على طاعة الله فلن يجد طريقة أفضل من أن يكون طائعا لله في السر والعلم فيرو فيه القدوة الحسنة فيسبق فعله قوله ولا يظنن الرجل أن عيون أهل بيته من زوجه وأولاده قد غفلت عنه فهي تبصره وترقبه وهو لا يشعر ويظهر أثر ذلك عليهم ولو بعد حين وفي قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجه عائشة نموذج من هذه النماذج الجميلة التي يظهر فيها إقبال النبي صلى الله عليه وسلم على العبادة وترك الفراش الدافئ كما تظهر فيها مراقبة زوجه عائشة رضي الله عنها له في عبادته لربه والتي أثرت في حياتها لاحقا يقول عطاء بن أبي رباح دخلت مع عبد الله بن عمر وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها وهي في خدرها فقالت من هؤلاء قلنا عبد الله بن عمر وعبيد بن عمير فقالت يا عبيد بن عمير أنت كما قال الأول زرغبا تزدد حبا فقال ابن عمر دعونا من باطلكم هذا حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت بكاءا شديدا ثم قالت كل أمره كان عجبا أتاني ذات ليلة وقد دخلت فراشي فدخل معي حتى لصق جلده بجلدي ثم قال يا عائشة ائذني لي أتعبد لربي عز وجل قالت قلت يا رسول الله إني لأوحب قربك وأوحب هواك قالت فقام إلى قربة في البيت فتوضأ منها ثم قرأ القرآن ثم بكى حتى ظننت أن دموعه بلغت حبوته ثم جلس فدعى وبكى حتى ظننت أن دموعه بلغت حجزته ثم اضطج على يمينه وجعل يده اليمنى تحت خده الأيمن ثم بكى حتى ظننت أن دموعه قد بلغت الأرض ثم جاءه بلال بعدما أذن فسلم فلما رآه يبكي قال يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال وما لي لا أبكي وقد أنزلت علي الليلة إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار الآية ويل لمن قرأها ثم لم يتفكر فيها ويحك يا بلال ألا أكون عبدا شكورا رواه الطحاوي في مشكل الآثار إننا نلحظ الأدب العظيم للنبي صلى الله عليه وسلم في استئذانه من زوجه عائشة رضي الله عنها ليقوم لصلاته وعبادته لله إن هذا الاستئذان يأتي لأن الوقت هو وقت عائشة فهو المخصص لها من يومه وليلته صلى الله عليه وسلم مع بقية زوجاته فإذا فاتتها تلك الليلة فستنتظر حتى تأتي ليلتها بعد عشرة أيام فكان من أدبه الجم صلى الله عليه وسلم أن استأذنها في ترك فراشها تفرغا لعبادة ربه وفي هذا درس للرجل في أدب التعامل مع الزوجة والأوقات التي خصصها لها فلا تكون هذه الأوقات للمواعيد الطارئة مع الناس أو الاتصالاته الهاتفية والتي لا يجد لها مكانا في جدوله إلا أن يستأذنها فتأذن له بحب كما فعلت عائشة رضي الله عنها وهي لن تأذن له بحب إلا إذا كان هذا الفعل منه نادرا واحترامه لأوقاتها غالبا ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم يعطينا درسا آخر في نوع الشغل الذي يلغي الرجل وقت أهله من أجله إنها العبادة لله والعبادة لله دائمة وفي كل وقت ولكن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا أن لربنا علينا حقا ولزوجنا علينا حقا ولضيفنا علينا حقا وأمرنا أن نعطي كل ذي حق حقه وهذه كلها عبادة لله كما نلحظ إيثار عائشة لما يحبه النبي صلى الله عليه وسلم من القيام للعبادة على ما تحبه هي من القرب منه والتمتع به وهذا الإيثار من عائشة نابع مما رأته من توازن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم معها وفي القرب منها فلما استأذنها في بعض وقتها أذنت له ومثل هذا يتأتى لكل زوج حقق التوازن مع زوجه كما نلحظ من القصة دقة مراقبة عائشة رضي الله عنها لعبادة النبي صلى الله عليه وسلم فهي لم تنم وتتركه يتعبد الله وإنما راقبته في كيفية عبادته وهذه المراقبة أثرت في حياتها لاحقا في إكثارها من العبادة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إن الدرس البليغ الذي نحتاجه جميعا من هذه القصة النبوية مع أمنا عائشة رضي الله عنها هو أن الآداب المستقات من سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والتأسي به فيها بالعبادة في الشعائر دون جانب التعامل الإجتماعي مع الزوجة والأولاد إن طرح مثل هذه القصة كما يكون في بيان البكاء من خشية الله والتعبد لله في الليل وشكر النعم يكون كذلك في بيان الحقوق الزوجية وأدب التعامل مع الزوجة الذي وصفت به عائشة حالتها مع النبي صلى الله عليه وسلم بقولها وألصق جلده بجلدي لم تذكره عبثا وإنما هو جزء مهم من أحداث القصة له دلالته كما أنه جزء من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته نكمل في لقاء قادم إن شاء الله الحمد لله رب العالمين أمنا عائشة رضي الله عنها